بين عرش الطاووس وشارع الغضب

بعد ما يقارب نصف قرن على سقوط الشاه وفرار عائلة بهلوي من طهران، يعود اسم رضا بهلوي ليتسلل مجددًا إلى قلب المشهد الإيراني، لا عبر القصور هذه المرة، بل من نوافذ المنفى وشاشات الفضائيات وصدى الشوارع الغاضبة.
الاحتجاجات التي تشهدها إيران لم تعد مجرد صرخة معيشية ضد الغلاء والعقوبات وانسداد الأفق الاقتصادي، بل تحوّلت إلى امتحان وجودي لنظامٍ ثيوقراطي أنهكته سنوات القمع، وراكمت عليه الاحتجاجات، ثم جاءت حرب الأيام الاثني عشر في يونيو الماضي، وما رافقها من قصف إسرائيلي وضربات أمريكية لمواقع تخصيب اليورانيوم، لتكشف هشاشته أمام الداخل قبل الخارج.
في هذا المناخ المضطرب، يحاول ولي عهد إيران السابق أن يقدّم نفسه بوصفه بديلًا ممكنًا، لا بوصفه مجرد ابن شاهٍ مكروه، بل كرمزٍ مضادٍ لنظام فشل في الوفاء بوعوده الدينية والدنيوية معًا. نداءاته الأخيرة للنزول إلى الشارع لم تمرّ بلا أثر، فقد استجاب لها محتجون، واتسعت رقعة التظاهر، وارتفعت نبرة التحدي.
لكن السؤال الجوهري لا يزال معلقًا:
هل يخرج الإيرانيون من أجل عودة الملكية، أم أنهم ببساطة يبحثون عن أي مخرج من مأزق الجمهورية الإسلامية؟
هنا تكمن المعضلة. فالتاريخ لا يعود بسهولة، و”عرش الطاووس” ليس مجرد ذكرى رومانسية عند ملايين الإيرانيين الذين يتذكرون القمع والفساد والارتهان للغرب في عهد الشاه. في المقابل، فإن فشل النظام الحالي في إدارة الدولة، وتحويل الدين إلى أداة حكم قاسية، جعل قطاعات واسعة من المجتمع مستعدة لتجريب المجهول، أو على الأقل الاستماع إلى كل صوتٍ يقول: “هناك بديل”.
النظام، كعادته، يقرأ المشهد بعين أمنية بحتة. الإعلام الرسمي يتهم “عناصر ملكية إرهابية”، ويحاول اختزال غضب الشارع في مؤامرة خارجية، متجاهلًا أن النار هذه المرة ليست مستوردة، بل متراكمة في صدور الداخل.
رضا بهلوي اليوم ليس زعيمًا بجيش، ولا مشروعًا مكتمل الملامح، لكنه مؤشر سياسي خطير: مؤشر على أن الشرعية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية تتآكل، وأن الإيرانيين لم يعودوا يخشون طرح الأسئلة المحرّمة، حتى تلك التي تتعلق بشكل النظام ذاته.
ما يحدث في إيران ليس صراعًا بين ملكية وجمهورية، بل صراع بين نظامٍ استنفد شرعيته وشعبٍ يبحث عن أفق. وإن كان بهلوي يطرق الباب، فذلك لأن البيت من الداخل بات متصدعًا.



