أخبارأخبار سريعةعين العقل

بين الشيكور .. والبعبع

بقلم : الاستاذ مولاي الحسن بنسيدي علي

قد تجري على الألسن كلماتٌ رخوة المعنى، فضفاضة الدلالة، لا يُعرف لها أصلٌ ولا فصل، ثم لا تلبث—مع كثرة الترداد—أن تتسلل إلى المعجم اليومي، فتغدو مألوفةً، بل ومُحتفى بها، رغم ما تختزنه في أعماقها من إساءةٍ خفيةٍ لناطقها، وانتقاصٍ غير مُعلن من مروءته وكرامته.
وهكذا، دون وعيٍ أو مساءلة، تُلبَس الألفاظُ أثوابًا ليست لها، وتُمنَح شرفًا لم تُخلق له.
ومن بين هذه الألفاظ التي راجت على ألسنة فئاتٍ عريضة، حتى صارت عنوانًا للذات وصورةً للقوة المزعومة، لفظ “الشواكر”، ومفرده “شيكور”.
لفظٌ طالما ظُنّ—للوهلة الأولى—أنه يُحيل إلى الشهامة أو البأس أو الرجولة الصلبة. غير أن رحلةً قصيرة في بطون المعاجم، وتقليبًا في المناهل اللغوية، تكشف فراغًا دلاليًا مريبًا؛ فلا أثر له، ولا جذر، ولا شاهد يُسند هذا المعنى المُتداوَل في بلاد الجزائر
وحين تعجز الكتب، يتكلم التاريخ الشفهي.
فمن شيخٍ من رواة الحكايات هناك، عرفتُ أن هذا اللفظ لم يولد في سياق القيم، بل في ظلال حقبةٍ قاتمة، أيامَ كان الاستعمار جاثمًا على الصدور لأكثر من قرنٍ ونيف. يومها لم يكتفِ بتجريف الأرض ونهب الثروات، بل علّق في الذاكرة الاجتماعية فسادًا مُمنهجًا؛ فتح بيوتَ دعارةٍ مرخَّصة، سميت بالبرديل، وأقام على أبوابها رجالًا غلاظًا شدادًا، لا لحماية الفضيلة، بل لحراسة الرذيلة، وفرض الإتاوة على الزبائن.
ومن هناك—من ذلك المستنقع—وُلد النموذج: الرجل القوي هو “الشيكور”، والجماعة منهم “شواكر”. قوةٌ بلا قيمة، وبأسٌ بلا شرف ولا هيبة، وسطوةٌ منفصلة عن الأخلاق.
المؤلم ليس في الأصل وحده، بل في استمرار اللفظ حيًّا، يُستدعى بفخر، ويُقدَّم بوصفه هويةً، في مجتمعٍ يظنّ نفسه “قوةً ضاربة”، بينما يضرب—من حيث لا يدري—أسس لغته ووعيه الذاتي ويهين الاشاوس ممن ضحوا من أجل الانعتاق من ربقة المستعمر.
وفي الضفة الأخرى من هذا العبث اللفظي، برز مصطلحٌ آخر، لا يقلّ إثارة للجدل، هو “البعبع”، وقد دفعته مكروفونات المواقع إلى الواجهة، على لسان حسام باشا، بوصفه توصيفًا للخصم أو الآخر.
لفظٌ يُحيل في الوجدان الجمعي إلى المخيف، والمقيت، والوحش الكامن في العتمة. غير أن توظيفه في الخطاب العام، وبنبرة استعلائية، فتح بابًا واسعًا للنقد، ودفع كثيرًا من اللغويين وأصحاب الذوق الرفيع إلى المطالبة بالاعتذار، لا لأن الكلمة جديدة، بل لأنها أُقحِمت في غير مقامها، وحُمِّلت شحنةً تحريضية تُسيء إلى اللغة قبل أن تُسيء إلى المخاطَبين في ألارض المباركة مصر من دخلها كان ٱمنا بلاد البطولات والنيل والعلم والحضارة.
إن الكلمات ليست محايدة.
هي كائنات حيّة، لها ذاكرة، ولها تاريخ، وإذا لم نحسن مساءلتها، مساءلتنا نحن. فليس كل شائعٍ صحيحًا، ولا كل متداولٍ بريئًا، ولا كل ما يُردَّد جديرًا بأن يُتَّخذ هويةً أو راية.
واللغة هي مرآتنا؛ وحين تتشقق المرآة، لا يعود الخلل في الصورة وحدها، بل في الوعي الذي رضي أن يرى نفسه مشوَّهًا…

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button