Hot eventsأخبارأخبار سريعةعين الحدث الافريقي

حين تتكلم العناوين بلغة الاتجاه لا الخبر

ليس مجرد استعراض يومي لما كتبته الصحف الإلكترونية، بل هو أشبه ببوصلة ترصد اتجاه الرياح السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد. فحصيلة عناوين هذا الأربعاء تكشف بوضوح أن المغرب يتحرك على أكثر من جبهة، بثباتٍ محسوب، ووعيٍ بأن الزمن الإقليمي والدولي لا يرحم المترددين.

أول الإشارات جاءت من البرقية الملكية الموجهة إلى العاهل الإسباني، والتي وإن بدت في ظاهرها عملاً دبلوماسياً إنسانياً مألوفاً، إلا أنها تؤكد مرة أخرى أن المغرب يرسخ صورته كدولة مؤسسات تحضر بقوة في لحظات التضامن، وتدير علاقاتها الخارجية بمنطق الدولة لا بردود الفعل. فالدبلوماسية هنا ليست حدثاً عابراً، بل سلوكاً دائماً يعكس عمق الرصيد السياسي للمملكة.

وفي الداخل، تتقاطع الأمطار والمؤشرات المناخية مع السياسة العمومية، لتتحول الأرقام إلى رسائل طمأنة. فحين تعلن الحكومة عن نسب تساقطات تفوق المعدل العادي، لا يتعلق الأمر فقط بالطقس، بل بإحياء أمل طال انتظاره في ملف الماء، وبمنح نفسٍ جديد لرهانات الفلاحة والتنمية القروية. غير أن التفاؤل المشروع يظل مشروطاً بحسن التدبير، لأن وفرة الموارد لا تعني بالضرورة نهاية الاختلالات.

أما على مستوى الإصلاحات القانونية والمؤسساتية، فتبدو الحكومة مصرة على الدفع بعجلة التحديث، من تنظيم مهنة العدول إلى إحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان. وهي إصلاحات تعكس وعياً بأن العدالة والتخطيط الترابي ليسا ترفاً تشريعياً، بل شرطاً أساسياً لاستعادة ثقة المواطن، وإن كانت هذه النصوص ستظل بلا أثر حقيقي إن لم تُترجم إلى ممارسة يومية ناجعة.

وفي زاوية أخرى، تعود السلامة الطرقية إلى الواجهة، لا كملف تقني بل كجرح اجتماعي مفتوح. فحين نتحدث عن 8,5 مليار درهم كلفة سنوية لحوادث السير، فنحن لا نحصي الخسائر المالية فقط، بل نعدّ أرواحاً تُفقد، وعائلات تُكسر، واقتصاداً ينزف بصمت. والرهان الحقيقي سيبقى في مدى قدرة البرامج المعلنة على تغيير السلوك، لا فقط تشديد القوانين.

رياضياً واقتصادياً، تبرز كأس إفريقيا للأمم 2025 كنموذج لنجاح التنظيم حين يلتقي التخطيط بالإرادة. مليار أورو من العائدات، ومئة ألف منصب شغل، ليست مجرد أرقام للاستهلاك الإعلامي، بل دليل على أن الاستثمار في الرياضة يمكن أن يتحول إلى رافعة تنموية حقيقية، متى أُحسن تدبيره وربطه برؤية استراتيجية شاملة.

وفي خلفية المشهد، تطل العناوين الاقتصادية والمالية لتؤكد أن المغرب يراهن على الاستقرار: تراجع متوقع لعجز الميزانية، نمو اقتصادي في حدود 5 في المئة، ودينامية في قطاعات واعدة كصناعة السيارات والاقتصاد الاجتماعي والتضامني. وهي مؤشرات إيجابية، لكنها تطرح سؤالاً مركزياً: إلى أي حد سينعكس هذا التحسن الكلي على القدرة الشرائية للمواطن البسيط؟

خلاصة القول، عناوين هذا اليوم لا تصرخ، لكنها تهمس برسالة واضحة: المغرب يسير، بخطى متفاوتة السرعة، نحو ترسيخ نموذج يقوم على التوازن بين الطموح والواقعية. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة السياسات أو الإعلان عن الأرقام، بل في جعل المواطن يشعر أن هذه العناوين تُكتب من أجله، لا فقط عنه.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button