Hot eventsأخبارأخبار سريعةعين العقل

استعطاف كلب .. !؟

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي

كان الكلب يلهث من شدة العطش والجوع، وقد سال لعابه اختلاطًا بالوهن، فيما كان سيده جالسًا غير بعيد عنه، يلتهم اللحم والمرق بنهمٍ فجّ، لا يلتفت إلى العينين الممدودتين برجاءٍ صامت، ولا إلى الجسد الممدّد على التراب كأنه سؤالٌ بلا جواب.
كان الكلب ينظر إليه نظرة استعطافٍ أخيرة، كأنما يقول: يكفيني عظمٌ، أو التفاتةُ رحمة.
مرت عجوز بجوارهما، وقد أثقل الحكمةَ ظهرُ السنين، فوقفت وصاحت في الرجل:
«ارحم تُرحم، وامدد يدك بما تفضل عنك لهذا المخلوق الذي يتمسح بك».

رمقها الرجل بازدراءٍ وقال، متذرعًا بمثلٍ جاف:
«جَوِّع كلبك يتبعك».
فأجابته المرأة بهدوءٍ جارح:
«ولكنه قد يهلك من بأسك، وقد تدمّره».
لم يُعر الرجلُ كلامها اهتمامًا، ونهض وهو يتمتم بغلظة:
«إنه كلبي، وأنا سيده، وأنا أربيه بهذه الطريقة. لم يعد يسمع كلامي، ولم يتبع تعليماتي، وقد أساء الأدب معي. وبدل أن أعلّمه أو أطلق عليه الرصاص، قيّدت حركته، وحرمتُه الطعام، ومنعتُه أن يتسول من غيري، حتى أراه يأكل من القمامة، ويكفّ عن التدخل فيما لا يعنيه، عندها أعفو عنه».
هزّ الكلب ذيله، ومشى خلف صاحبه صاغرًا، لا حبًّا ولا اقتناعًا، بل لأن الجوع لا يملك فلسفة، ولأن القهر حين يشتدّ يُدرَّس الطاعة بلا نقاش.
وتلك – لعمري – ليست حكاية كلبٍ وسيدٍ فحسب، بل مرآةٌ صافية لسلوك بعض ممن خلق الله؛
أولئك الذين لا يعرفون قيمة النعمة إلا بعد أن تُسلب، ولا يدركون معنى الكرامة إلا حين تُداس، ولا يرفعون رؤوسهم إلا بعد أن يُحاصروا.
إنهم يُربّون بالطريقة ذاتها:
بالتجويع، بالإقصاء، بالتخويف، وبقطع أسباب الحياة، ثم يُطلب منهم أن يكونوا مطيعين، شاكرين، ساكتين. وحين ينهارون، يُقال لهم: هذا هو الأدب، وهذه هي التربية.
وحين تُغلق في وجوههم الأبواب، وتُسحب من تحت أقدامهم الأرض، يتساوون – عندها فقط – مع الكلب في النباح، لا دفاعًا عن حق، بل استكانةً للعجز، وانتظارًا لفتاتٍ قد يُلقى أو لا يُلقى.
إن الطاعة التي تولد من الجوع ليست فضيلة،
والسكوت الذي يصنعه القهر ليس أخلاقًا،
والاتباع الذي يفرضه الحرمان ليس ولاءً.
فالكرامة لا تُربّى بالسلاسل،
والوعي لا يُصنع بالجوع،
ومن يعتقد أن الإنسان – أو حتى الحيوان – يُصلح بالإذلال، إنما يدرّب الخراب على البقاء.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button