ضأن مكره على التصفيق- وحمامة يستهويها التحليق

بقلم الأستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي
لم يكن طموحه يتجاوز عتبة الدار، ولا خياله يجرؤ على مدّ البصر أبعد من ظلّ الجدار، غير أنّ المصادفة – أو ما يُسمّى في القواميس السياسية “حسن التقدير” – قادته إلى أن يغرس شوكته في كتف ضأنٍ بريّ، فأصاب منه مأربًا، واستلذت شهيته الطرية أول لقمة، ثم لم تلبث أن استزادت.
وقديما قيل: العرب تعرف من أين يؤكل الكتف، فكان أسرع من البرق في تسلّق الدرجات، لا عن كفاءة ظاهرة، بل عن حاسة شمٍّ سياسية لا تخطئ موائد الولائم.
وحين ضاق به المقام في مؤسسته الحزبية الأولى، لم يكن الخلع موقفًا مبدئيًا ولا الاستقالة احتجاجًا أخلاقيًا، بل إدراكًا مبكرًا أن البقاء حيث لا تُقدَّم الأطباق الدسمة ضربٌ من الزهد غير المحسوب. أصابته تخمة لحم الضأن، فاستهوته فجأة موائد محشي الحمام؛ أكثر نعومة، وأخفّ على المضغ، وأسرع هضمًا في دهاليز النفوذ.
لاحق الحمام بقمحه، لا حبًّا في السرب ولا ولاءً للتحليق، بل ليستدرجه، وما إن اقترب حتى طار به في فضاء الارتفاع السياسي، لا كقائد خبر سباحة السماء، بل كحلاقٍ ماهر، يُقَلِّم الريش، ويجمع الزينة، ليشدّ بها عمامة الأمغار، في حضرة صقورٍ زرقاء لا ترى في الحمام إلا مادة للتجميل السياسي.
وكأن الولّادة أُصيبت بالعقم، أو كأن الخزان قد فرغ من الأسماء، قال عنه من عيّنه للخلافة، بنبرة المادح الواثق:
“سيكون أحسن راعٍ لسرب الحمام”.
غير أن أحد الواقفين في الصف الخلفي، ممن خبروا تبدّل المواسم وتقلب الألوان، مال على أذن رفيقه وهمس بالمثل العامي، مختصرًا كل البلاغة:
“عِشنا وشِفنا… وتعيش نهار تسمع خبار.”



