حين يسمو العلم

بقلم: ذ مولاي الحسن بنسيدي علي
ألف مرحبا بالعالم والفقيه الجليل؛ سعيد الكملي بمدينة الناظور
بشموخه يسمو علمُه، وبتواضعه يزدهي حياؤه، ومن محيّاه يشع نورٌ لا يبهرك بحدّته، بل يهديك بسكينته. نورٌ يضيء دروب البسطاء، أولئك المتعطشين إلى معنى، إلى كلمة صادقة، وإلى علمٍ لا يُتاجر به، ولا يُستثمر في منصات الضجيج، بل يُبذل ابتغاء وجه الله.
إذا تكلّم، شعر السامع بدفءٍ ينساب في الروح، كأنّ للكلمة الصادقة حرارةً قادرة على كسر قسوة الطقس وبرودة النفوس. حديثه مشبع بدلالات الخير، مبنًى ومعنًى، مرتجلٌ في ظاهره، محكمٌ في جوهره، كأنما يُطرّز المعنى تطريزًا، فتلمع الفكرة قبل العبارة.
يجلس إليه المرء، فيُسافَر به دون عناء إلى أزمنة الأنبياء والأتقياء؛ حيث كانت الأخلاق فعلًا يوميًا، لا خطابات موسمية، وحيث كان التسامح ممارسة، لا شعارًا مرفوعًا، وحيث كانت المعاملة الحسنة، والتآزر، والسلام، والمحبة، والوفاء، مقاييس الرجولة والإيمان.
وحين حلّ بين الناس، خرج له جمع غفير، مرحّبين، صادقين في دعائهم، مستبشرين بحضوره. غير أنّ المشهد كشف، بلا مواربة، خلل الميزان الاجتماعي:
غاب الأعيان، وتخلّف الوجهاء، وانسحب علية القوم؛ أولئك الذين لا يتأخرون عن مواعيد «المشاهير»، ولا تفوتهم صورة مع صانع محتوى، أو جلسة مع «يوتيوبر»، أو فرصة استثمار مع اسمٍ رائج، ويتدافعون نحو أمناء الأحزاب، ويصفقون للمغنين والراقصات.
أما عالمٌ جليل، حاملٌ لكتاب الله، داعيةٌ إليه، رجل علمٍ وفقهٍ وحكمة، فحضوره لا يُغريهم، ولا يوقظ فيهم اهتمامًا، وكأن العلم حين لا يدرّ ربحًا سريعًا، يفقد قيمته في سوق المظاهر.
في تلك اللحظة، استعاد الذاكرة مشهدٌ قديم: جنازة يتبعها نفرٌ قليل، لا يتجاوز عددهم أصابع اليد. سألت عن صاحبها، فقيل: رجل من عامة الناس، فقيرٌ إلى الله، عاش غريبًا ومات غريبًا. وبعد أيام، رأيت موكبًا مهيبًا، ازدحمت له الطرق، وتكاثرت له الوجوه، فقيل: إنها جنازة صاحب مال وجاه.
هناك أدركت، بوضوحٍ موجع، أن الخلل ليس في الموت، بل في معايير الحياة.
حينها حضرت الحكمة الشعبية بمرارتها العميقة:
«الدنيا بالوجوه، والآخرة بالزراوط»؛
فالدنيا تُكافئ الواجهة، وتُعلي الصدى، وتحتفي بالضجيج،
أما الآخرة، فلا تعرف إلا الوزن الحقيقي: صدق النية، ونقاء العمل، وأثر الخير.
فمرحبًا بالعالِم الجليل، البقية الباقية في زمن الندرة،
تشرفنا بقدومكم، وتشرفت المدينة بكم،
حللتم أهلًا، ونزلتم سهلًا،
وإن أعرضت عنكم وجوه الزيف، فقلوب البسطاء من محبيكم لكم وطن.



