Hot eventsأخبارأخبار سريعةثقافة و فنعين العقل

شتان بين الكعبة المشرفة والكعبة المحرفة

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي

ليست الكعبة المشرفة حجارةً مرصوصة، ولا بناءً كسائر الأبنية، بل هي رمز التوحيد الأول، وموضع السجود الذي تهفو إليه قلوب المؤمنين من مشارق الأرض ومغاربها. هي البيت الذي رفع قواعده نبي الله إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل عليه السلام، فكان إعلانًا خالدًا بأن الأرض لا تُبارك إلا بذكر الله، ولا تُعظَّم إلا بطاعته.
في مكة المكرمة، حيث تتنزّل السكينة وتخشع الأصوات، تقف الكعبة شامخةً في مركز التاريخ والروح معًا؛ إليها تتوجه الأمة في صلواتها، وحولها تطوف في حجها وعمرتها، ومنها تنبع معاني الوحدة والانقياد لله وحده لا شريك له. ليست الكعبة أثرًا معماريًا، بل عهدًا إيمانيًا متجددًا، وميثاقًا بين السماء والأرض.
غير أنّ العجب يبلغ مداه حين يتجرأ بعض المنتحلين “بالجزائر” على محاكاة المقدّس، فينصبون أشباهًا لا روح فيها، ويقلّدون الشعائر في مشهد يختلط فيه الادعاء بالعبث، والتقليد بالسخرية، والرمزية بالزيف. أيّ عقلٍ يساوي بين بيتٍ عظّمه الله في كتابه، وجعله قبلةً للمسلمين، وبين هيكلٍ مصطنع لا أصل له في وحيٍ ولا في تاريخ؟ وأيّ ضميرٍ يرضى أن تُختزل قداسة القرون في صورةٍ كرتونيةٍ هزيلة لا تقوم على إيمانٍ ولا على شرع؟
ولا توجد الا في رؤوس “التبونيين”
إن تقليد الشعائر ليس إبداعًا، بل انتحال. وليس حرية تعبير، بل مساسٌ صريح بمشاعر الملايين، واستخفافٌ بمقدساتٍ قامت عليها هوية أمةٍ بكاملها. فالطواف ليس دورانًا جسديًا فحسب، بل خضوعٌ قلبيّ، والسعي ليس حركة أقدام، بل استحضارٌ لقصة تضحيةٍ وإيمان. ومن جرّد الشعيرة من معناها، فقد أبقى قشرًا بلا لبّ، وهيكلًا بلا روح.
إن الكعبة المشرفة ستظلّ فوق محاولات التشويه، لأنها ليست ملك جيلٍ أو نظام، بل هي رمز أمةٍ وذاكرة عقيدة. أما الذين يعبثون بالرموز، فيصنعون لأنفسهم لحظة ضجيجٍ عابرة، ثم يطويهم النسيان، ويبقى البيت العتيق قائمًا كما كان: قبلةً للموحدين، وعنوانًا للخشوع، وشاهدًا على أن المقدّس لا يُنال منه بالتقليد ولا يُهزَم بالادعاء.
وشتّان بين بيتٍ أذن الله أن يُرفع ويُذكر فيه اسمه، وبين مشهدٍ مصطنعٍ لا يستند إلا إلى نزوةٍ عابرة أو توظيفٍ سياسيّ أجوف يفتقد السلامة العقلية. فالمقدسات لا تُقاس بالأشكال، بل بالمعاني؛ ولا تُحفظ بالجدران، بل بالإيمان الذي يسكن القلوب.
ستبقى الكعبة المشرفة رمز الطهر والوحدة، وسيبقى كل انتحالٍ محرف لها شاهدًا على خواء أصحابه، لا على ضعفها.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button