فانوس رمضان في مصر.. “تيرمومتر” البهجة وجسر يربط الأجيال عبر القرون

مع اقتراب هلال شهر رمضان المبارك لعام 2026، تتلألأ أزقة القاهرة التاريخية بضياء “الفانوس”، ذلك الرمز الذي تجاوز كونه مجرد أداة للإضاءة ليصبح “أيقونة” الذاكرة الشعبية المصرية، وحارس التراث الذي يرفض الانطفاء رغم صخب الحداثة وتغير أنماط الحياة.
من العصر الفاطمي إلى “تريند” 2026
يرجع المؤرخون أصل هذه الظاهرة إلى العصر الفاطمي، حين استقبل المصريون الخليفة بالمصابيح المضيئة، ومنذ ذلك الحين، تحول الفانوس من حاجة وظيفية للإنارة ليلاً إلى تقليد اجتماعي راسخ.
تقول الباحثة الاجتماعية فاطمة أحمد أبو الحسن: “الفانوس ليس مجرد زينة، بل هو تعبير عن تلاحم مجتمعي وبُعد هوياتي يختزن معاني الفرح والانتماء”. هذا البعد يظهر بوضوح في حي “الغورية”، حيث لا تزال مطارق الحرفيين تشكل الصاج والنحاس لتقدم فناً يدوياً يقاوم الاجتياح البلاستيكي والإلكتروني.
حرفة “عشرة العمر”
داخل ورشته التي تفوح منها رائحة الأصالة، يقول حسين عبد الله، أحد أقدم حرفيي الفوانيس: “الفانوس التقليدي له زبون يبحث عن الروح لا عن مجرد الشكل. بالنسبة لي، هذه الحرفة هي عشرة عمر وحكاية مكان تتوارثها الأجيال”.
ورغم تطور التكنولوجيا ودخول الفوانيس التي تغني وترقص، تصر ربات البيوت مثل السيدة صباح علي على اقتناء الفانوس النحاسي التقليدي، بل وتذهب أبعد من ذلك بجعله جسراً ثقافياً؛ حيث قامت هذا العام بإهداء فوانيس لصديقاتها من المغرب، في لفتة تعكس قدرة هذا الرمز على مد جسور التواصل الإنساني بين الشعوب العربية.
محرك اقتصادي وفرحة طفولية
لا تكتمل الصورة دون ضجيج الأطفال وأغانيهم التراثية. الطفلة مريم (7 سنوات) تلخص المشهد ببراءة: “أحب رمضان عشان الفانوس.. هو اللي بيحسسنا إن رمضان دخل”.
اقتصادياً، يمثل موسم الفوانيس “رئة” تتنفس منها آلاف الأسر في مناطق مثل “السيدة زينب”، حيث تتحول الأسواق إلى خلايا نحل تجارية تنعش الصناعات اليدوية الصغيرة، وتؤكد أن الفانوس هو “منتج عابر للزمن” يجمع بين القيمة التراثية والعائد المادي.
ضوء لا يغيب
يبقى الفانوس الرمضاني في مصر أكثر من مجرد قطعة ديكور؛ إنه رمز للاستمرارية والأمل، وشاهد على قدرة المجتمع المصري على تطويع التاريخ ليناسب الحاضر، ليظل الضوء المنبعث منه بمثابة رسالة حب تتجدد مع كل خيط ضوء يعلن قدوم الشهر الفضيل.



