الزميل أحمد الميداوي يكتب.. حوار تأملي بين الصحفي والحمار

أصيب الصحفيون بالذهول وهم ينظرون إلى الحمار وقد اقتحم قاعة التحرير يشهق وينهق طالبا مقابلة عاجلة مع رئيس التحرير لإطلاع الرأي العام باسم الجمعية المغربية لحقوق الحمير على الإساءات “الآدمية” التي بلغت حدا لا يطاق من الإهانة والظلم.
نخشى (مخاطبا رئيس التحرير) وقد اقترب موعد الانتخابات أن تنظم بعض الفعاليات الجمعوية والسياسية كالعادة مسيرة حمارية للاحتجاج على الأداء الكارثي للحكومة الحالية.
وما الضرر يرد رئيس التحرير بسخربة.. ما الضرر في تنظيم مسيرة حمارية. ألا ترى أنها طريقة ظريفة للتهكم على الغباوة الحكومية، وقد أوصلتنا إلى الأوضاع المتأزمة التي تؤدي فاتورتها الفئات المغلوبة؟
ولماذا بالضبط مسيرة حمارية، يقول الحمار، وليست مسيرة “حصانية” أو “بغالية” أو حتى “بعيرية”. لماذا بالضبط الحمير، هم وحدهم عنوان الغباوة..
لم يجد رئيس التحرير أمام زحف الأخبار وضيق الوقت، ما يرد به على صديقنا الحمار سوى أن كلف أحد الصحفيين بإجراء مقابلة معه في إطار محاورة هادئة تغوص في عمق الأشياء بعيدا عن كل تعصب أو تجريم مجاني..
شرع الحمار يستعرض بشيء من الاعتزاز وبكثير من الألم أيضا، مسار الحمير التاريخي العامر بالمشاق والمتاعب التي تحمّلوها على امتداد العصور، بصبر وطاعة ناذرين في خدمة الآدميين، مُندّدا بكل الحكايات الساخرة التي تناولته في مجالس الأصدقاء والأقارب، ومن الكثير من النتاجات الأدبية التي استهدفته كوسيلة سردية لإبلاغ رسائل اجتماعية وأخلاقية وحتى سياسية. رسائل استأثر فيها بصفة التحمل والخنوع، كما ورد في كتاب “الحيوان” للجاحظ، وبصفة الغباوة كما فصّلها جان دو لافونطين في كتابه “لي فابل” (حكايات)، ثم ابن المقفع “كليلة ودمنة”، وفرانسوا رابلي “صديقي الحمار”، وغيرهم ممن أغنوا رفوف الخزائن والمكتبات ب”التراث الحميري” الغزير.
“جئتك سيدي مناشدا نشر خبر عاجل في الصفحة الأولى من جريدتك، تحت عنوان عريض: “مسيرة الحمير على الأبواب”، وهي مسيرة ستنطلق بمجرد استكمال الهياكل التأسيسية اللازمة، وحصولنا على التراخيص من الدوائر المعنية. فنحن من الكائنات التي ظلت على امتداد العصور تقوم بدورها الكامل في حمل الأثقال، والتنقل بين الأرياف والمداشر، عبر المسالك الوعرة خدمة للآدميين الذين يستمتعون في مجاسهم بإمطارنا بأحقر النعوت، قبل أن يوطئوا لذكرنا بكلمة “حاشاكم”.
ويكفي أن تلقي نظرة على الحياة اليومية ببعض المدن العتيقة ومنها مدينة فاس، لتدرك دورنا الحيوي في ثناياها ودروبها بعد أن استعصى على التكنولوجيا الحديثة ابتكار وسيلة نقل بديلة تقدم خدمات إنسانية وتجارية لساكنة المدينة.
قررنا أن ننتقل على التو من طور المناداة بإنصافنا، إلى طور العمل الفعلي المؤدي إلى التخلص بشكل نهائي من التبعية الممارسة علينا منذ عصور. وسنُطلق مسيرتنا التحررية بتنسيق مع معظم “الجمعيات المهتمة بحقوق الحمير” تمهيدا لقمة سيتم الإعلان خلالها عن تأسيس “الاتحاد الدولي لحقوق الحمير”، توكل له مهمة ترسيخ العدل والمساواة بين سائر المخلوقات.
ومن بين مهام الاتحاد أيضا، يضيف الحمار، إشاعة ثقافة التسامح والتصالح التي يجب أن تكون سائدة في علاقتنا مع الآدميين، وخاصة أصدقاؤنا العرب الذين كان عليهم بدل أن يجمعوا على نعتنا بالأغبياء، أن يوظفوا ذكاءهم بما يجنبهم حروب التكتلات والولاءات، التي تفتك بهم في لبنان والعراق وسوريا واليمن والصومال وفلسطين.
وفور إحداث اتحادنا، سنباشر الإجراءات القانونية الكفيلة بمواجهة الاضطهاد وسوء المعاملة الدولية التي تمارِس علينا. فنحن كائنات مسالمة تحب ولا تكره. لنا نفس التركيبة الفيزيولوجية للحيوانات ذوات الأربع وإن كانت حاجتنا الغريزية تجعلنا أحيانا ذوات خمس، وهذا لا ينتقص في شيء من قيمتنا حتى وإن أجمع المخيال العربي على تصنيفنا بالدواب الغبية والخنوعة.
وقبل إطلاق مسيرتنا، سنكون قد وضعنا دستورنا بما يكفل المساواة بيننا، ويضمن كافة الحريات بما في ذلك التجمعات السياسية، وتأسيس الأحزاب التي سندعو الآدميين إلى حضور مؤتمراتها كملاحظين تحت شرطين بسيطين: تشطيب صفتي الغباء والبلادة الملصقتان بالحمير، من قاموس اللسان العربي، ونبذ الشعار العنصري “أجهل من حمار” الحاضر بقوة في التداول بين الآدميين.
و”إني على يقين، يُجزم الحمار، من أن إعلان جريدتكم عن ثورة حميرية سلمية وشيكة، سيقوي موقعها لدى القراء الذين سيثمّنون موقفكم المؤيد لتحرير كافة حمير الأرض. وحينما نتحرر، فلن نبيع بالتأكيد أصواتنا في الانتخابات، كما يفعل الآدميون، لمحتالين مقابل ثمن سروال جينز أو مصروف يوم…ولن نقضي عمرنا نؤمن فقط بالواجب ونؤديه، ثم ننتظر الحقوق الضائعة فلن تأتي لأننا لم نطلبها.
اختلط الأمر على الصحفي بعد أن تعذر عليه فهم النوايا الحقيقية للحمار الذي نهض يطرد بعض الذباب الطائر بذيله، سائلا عن عنوان جريدة أخرى يزف لها خبر ثورة الحمير، قبل أن ينبهه الصحفي إلى الإسراع بالالتحاق بمهرجان الحمير المنعقد بعد الغد بمدينة مولاي ادريس زرهون (نزالة بني عمار)، ناحية مكناس، لاختيار على عادته كل سنة، ملكة جمال الحمير حيث المُربّون وكلهم من بسطاء المنطقة، ينالون مبالغ مالية وأكياسا من الشعير للحمير الفائزة بالإضافة إلى الكشوفات والمعالجات البيطرية التي تتكفل بها جمعية الرفق بالحيوان والمحافظة على الطبيعة.
نهض الحمار مطمئنا الصحفي بأنه من المدعوين إلى المهرجان، وسينقل للمشاركين قصيدة دامغة للشاعر المصري مصطفى إسماعيل، المتعاطف مع حمير الأرض، تحت عنوان “دفاعا عن الحمار”، وهذه بعض أبياتها:
يا قوم هل هان الحمار عليكم حتى تنادوا كل سوء حمارا
مال الحمار وما جنى من شرٍّ كان لكم دمارا
هل كان يوما للحمار مصيبةٌ.. هزت بلدة أو دوارا
أرأيته سرق البنوك وإلى بلاد الغرب طارا
أو أنه يوما أهان صاحبه أو غشّ جارا
فهو الحمار إذا أمرت أطاعك دونما تكرارا
لطفا يا قوم صونوا ودّهُ ولا تنادوا باسمه الأشرارا
فالشرّ يسعى بينكم أنتم، أما الحمار فسوف يبقى حمارا



