
في زمن ليس بالبعيد، حين كان للمكان هيبة وللوقت بركة، لم تكن “اليد” في الثقافة المغربية مجرد جارحة للبطش أو الكسب، بل كانت جسرا يربط بين الأجيال، وقناة تتدفق عبرها معاني التوقير والامتنان.

اليوم، يحاول البعض قراءة طقس “تقبيل اليد” بعيون حداثية جافة، واصفين إياها بعبودية مختلقة، متناسين أنها في جوهرها “أدب مغربي رفيع”، وفلسفة اجتماعية عمادها المحبة لا المذلة.
حين يميل الابن لتقبيل يد والده، فهو لا يمارس طقسا سلطويا، بل يقرأ في تجاعيد تلك اليد تاريخا من الكدح لأجله. تقبيل يد الأب في “تمغربيت” هو اعتراف بجميل لا يرد، وطلب لرضى يعتقد أنه مفتاح التوفيق.
وكذلك الحال مع ” الشياب” من كبار السن في الحي والدرب؛ فالانحناء ليدهم هو احتفاء بخبرة السنين، ورسالة صامتة تقول:
“نحن نجل السن ونحفظ قدر الكبار”.
كان المغاربة، وما زالو، يقدسون العلم. وتقبيل يد “الفقيه” أو “حامل كتاب الله” لم يكن لشخصه مجردا، بل لما يحمله في صدره من أنوار الوحي.
هي انحناءة للعلم والوقار، واعتراف بأن “حامل القرآن” هو ركن من أركان الجماعة. هي “تبرك” بالقيم التي يمثلها هذا الشيخ، واقتداء بمسيرته في حفظ هوية الأمة ودينها.
أيام “المسيد” و”الزاوية”، كان المعلم أو الشيخ يلقب بـ “سيدي”. وتقبيل يده كان بمثابة إعلان الولاء لمن “علمني حرفا”. لم تكن تلك القبلة انكسارا، بل كانت جسرا لانتقال “البركة” من المربي إلى المتربي. هي ثقافة “الصحبة” التي ترى في الشيخ قدوة أخلاقية، حيث يمتزج فيها الاحترام بالرهبة المحببة التي تصنع الرجال.
أما حين يرتفع المشهد إلى تقبيل يد جلالة الملك، أمير المؤمنين، فإن الطقس يتجاوز حدود التوقير المعتاد ليدخل في رحاب “البيعة” الممتدة عبر القرون.
إن تقبيل يد السلطان في الثقافة المغربية الأصيلة ليس مجرد بروتوكول رسمي، بل هو تعبير رمزي عن تلاحم العرش والشعب؛ ففي تلك اليد يلتقي السياسي بالروحي.
إنها قبلة لـ “حفيد الرسول الأمين”، استحضارا لبركة آل البيت الشريف وتسليما لمقام الإمامة العظمى.
المغاربة حين يقبلون يد ملكهم، إنما يجددون عهدا غليظا بالوفاء، ويرون في هذا الانحناء الخفيف تجسيدا لوحدة الأمة واستقرارها، وتوقيرا لسبط النبي الذي جعل من يده رمزا لسيادة الوطن وعروته الوثقى.
إن محاولة حصر “تقبيل اليد” في خانة “العبودية” هي قراءة سطحية تفتقر لروح التأويل الثقافي. فالعبودية قهر، وتقبيل اليد في تراثنا طواعية وحب.
هي لغة بصرية تعوض الكلمات حين تعجز عن وصف التقدير. إنها ثقافة “البركة” التي تجعل الشاب يرى في شيخه أو والده أو ملكه منبعا للخير، فيميل برأسه ليس ذلا، بل رفعة، لأن الذي لا يحترم كبراءه لا يكبر في عين أحد.
خلاصة القول أن تقبيل اليد في المغرب هو “نبل” موروث، وسلوك حضاري يعكس تماسك الأمة، وهو أرقى تعبير عن الاعتراف بالجميل في زمن بدأت تجتاحه برودة المشاعر وجفاء العلاقات.



