عمر أعنان: المحروقات وغلاء المعيشة: أرقام صادمة تكشف فشل الحكومة في حماية المواطن

سياق دولي متوتر… لكن هل يفسر كل شيء؟
في لحظة دولية شديدة التعقيد، تتسم بتصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية لنقل النفط في العالم، يجد المغرب نفسه مرة أخرى أمام موجة جديدة من الارتفاع الحاد في أسعار المحروقات.
فقد سجلت الأسعار بتاريخ 16 مارس 2026 زيادات وُصفت بالقياسية، بلغت حوالي درهمين للغازوال و1.44 درهم للبنزين، لترتفع إلى مستويات غير مسبوقة أثقلت كاهل المواطنين.
غير أن الإشكال لا يكمن فقط في الارتفاع، بل في طبيعته وسرعته وانتقائيته. إذ يكفي أن ترتفع الأسعار الدولية حتى تنعكس فورا على السوق الوطنية، بينما يتأخر الانخفاض أو لا يظهر بنفس الوتيرة. هذا السلوك غير المتوازن يطرح تساؤلات عميقة حول مدى شفافية السوق، وحدود المنافسة، ودور الدولة كضامن للتوازن. فهل نحن أمام سوق محررة فعلاً، أم أمام وضعية احتكارية مقنّعة يدفع ثمنها المواطن؟
المخزون الاستراتيجي: اختلال بنيوي يمس السيادة الطاقية.
إذا كان العامل الدولي يفسر جزءا من الأزمة، فإن العامل الداخلي يكشف عن خلل أخطر وأكثر عمقا، يتعلق بضعف المخزون الاستراتيجي من المحروقات. فالإطار القانوني واضح، إذ يلزم شركات التوزيع بتوفير مخزون يغطي 60 يوما من الاستهلاك الوطني، كحد أدنى لضمان الأمن الطاقي في حالات الطوارئ.لكن الواقع يكشف مفارقة صادمة: المخزون الفعلي لا يتجاوز في أفضل التقديرات 15 إلى 20 يوماً. أي أن المغرب يوجد عمليا في وضعية هشاشة قصوى، تجعله غير قادر على الصمود أمام أي اضطراب طويل في الإمدادات.
هذا الوضع لا يمكن اعتباره مجرد خلل تقني، بل هو مؤشر على ضعف الحكامة وغياب الصرامة في تطبيق القانون. فمن المسؤول عن عدم احترام هذا الالتزام؟ ولماذا لا يتم تفعيل آليات المراقبة والعقوبات؟ وكيف يمكن الحديث عن سيادة طاقية في ظل غياب حد أدنى من الأمان الاستراتيجي؟
مفارقات اقتصادية: أرقام رسمية تخفي واقعا مقلقا
المعطيات الاقتصادية تزيد من تعقيد الصورة. فبينما تشير الأرقام إلى تراجع فاتورة الطاقة بنسبة مهمة في بداية سنة 2026، نتيجة انخفاض الأسعار في تلك الفترة، فإن العجز التجاري واصل الارتفاع بشكل ملحوظ. هذا التناقض يعكس غياب رؤية استباقية، حيث لم يتم استغلال الظرفية الإيجابية لتعزيز المخزون أو لتخفيف الضغط على السوق الداخلية.
كما أن الأرقام الرسمية المتعلقة بالتضخم، والتي تقدم صورة مطمئنة نسبيا، لا تعكس حقيقة ما يعيشه المواطن المغربي يوميا. فالفجوة بين المؤشرات الاقتصادية الكبرى والواقع الاجتماعي أصبحت واضحة، وهو ما يطرح سؤال مصداقية السياسات الاقتصادية ومدى قدرتها على الاستجابة لانشغالات المواطنين.
من محطات الوقود إلى موائد المغاربة: سلسلة الغلاء
ارتفاع أسعار المحروقات لا يبقى محصوراً في قطاع الطاقة، بل يمتد بشكل متسلسل إلى مختلف القطاعات، وعلى رأسها المواد الغذائية. فتكلفة النقل، التي تمثل نسبة كبيرة من تكلفة السلع، تتأثر مباشرة بارتفاع أسعار الوقود، مما يؤدي إلى زيادة أسعار المنتجات الأساسية.
وقد أظهرت المعطيات الميدانية، خصوصاً خلال شهر رمضان لسنة 2026، ارتفاعاً ملموسا في أسعار اللحوم والخضر، حيث تجاوزت أسعار اللحوم الحمراء 110 درهم للكيلوغرام، وارتفعت أسعار عدد من الخضر بشكل ملحوظ. كما ارتفعت نفقات الأسر بنسبة تناهز 20 في المائة، وهو ما يعكس ضغطا اجتماعيا حقيقيا يتجاوز بكثير ما تعكسه الأرقام الرسمية.
هذا الترابط يوضح أن المحروقات أصبحت المحدد الرئيسي لتكلفة المعيشة، وأن أي خلل في هذا القطاع ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي.
الدعم الاستثنائي لمهنيي النقل: إجراء ظرفي بفعالية محدودة
أمام هذا الوضع، أطلقت الحكومة مؤخرا دعما استثنائيا جديدا لفائدة مهنيي النقل، بهدف التخفيف من آثار ارتفاع أسعار المحروقات ومواجهة تداعياتها على تكاليف النقل. ويأتي هذا الدعم في سياق استمرار نفس المقاربة التي اعتمدت منذ بداية الأزمة، والقائمة على تقديم تحويلات مالية مباشرة للمهنيين.غير أن هذا الإجراء، رغم أهميته الظرفية، يطرح تساؤلات جوهرية حول نجاعته الفعلية. فالتجارب السابقة، التي كلفت حوالي 8 مليار درهم، لم تنجح في كبح ارتفاع أسعار النقل أو الحد من غلاء المواد الغذائية.
كما أن غياب آليات صارمة لربط الدعم بانخفاض الأسعار، يجعل أثره محدوداً، بل ويطرح احتمال تسربه إلى حلقات الوساطة دون أن يصل إلى المواطن.وعليه، فإن استمرار نفس السياسة، دون تقييم دقيق لنتائجها، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نفس الاختلالات، بدل معالجتها بشكل جذري.
مفارقة جبائية: حين تتحول الأزمة إلى مورد مالي
من الجوانب التي تعمق الإحساس بعدم العدالة، البنية الجبائية المفروضة على المحروقات، والتي تجعل الدولة تستفيد من ارتفاع الأسعار. فالضريبة على القيمة المضافة، المرتبطة بنسبة من السعر، تؤدي إلى ارتفاع مداخيل الدولة كلما ارتفعت الأسعار.هذا الوضع يخلق مفارقة واضحة، حيث يتحمل المواطن كلفة الغلاء، في حين تستفيد المالية العمومية من هذه الزيادات. وهو ما يفتح نقاشا حول ضرورة مراجعة هذه المنظومة الجبائية بما يحقق قدرا أكبر من العدالة.
مخاطر التضخم والاحتقان الاجتماعي
في ظل استمرار هذه العوامل، تتزايد المخاوف من عودة التضخم إلى مستويات مرتفعة قد تتجاوز 6 في المائة، خاصة إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع. وهو ما قد يؤدي إلى تآكل أكبر للقدرة الشرائية، ويزيد من حدة التوترات الاجتماعية.
فالتجارب السابقة أظهرت أن ارتفاع تكاليف المعيشة، إذا لم يُواكب بإجراءات فعالة، يمكن أن يؤدي إلى فقدان الثقة في السياسات العمومية، وإلى اتساع فجوة عدم الرضا الاجتماعي.
إن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز بعدها الظرفي، ليطرح ضرورة إعادة النظر بشكل جذري في طريقة تدبير قطاع المحروقات بالمغرب. فالإشكال لا يتعلق فقط بالأسعار، بل بمنظومة كاملة تشمل التخزين والتوزيع والتسعير والرقابة والسياسات العمومية المرتبطة بها.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة إلى إصلاحات هيكلية عميقة تقوم على تعزيز الشفافية في تحديد الأسعار، وفرض احترام المقتضيات القانونية المتعلقة بالمخزون الاستراتيجي، وإعادة تقييم سياسة دعم النقل وربطها بنتائج ملموسة، إلى جانب مراجعة المنظومة الجبائية بما يحقق عدالة أكبر، وتسريع الانتقال الطاقي لتقليص التبعية للخارج.بين الاختلالات القائمة وضرورة القرار السياسي.
إن الوضع الحالي لا يمكن التعامل معه كأمر عابر، بل هو اختبار حقيقي لقدرة السياسات العمومية على حماية المواطن في زمن الأزمات. فالمحروقات لم تعد مجرد سلعة، بل أصبحت عنصرا مركزيا في معادلة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز بوضوح أن التحدي اليوم ليس تقنيا فقط، بل سياسي بالدرجة الأولى، يتعلق بمدى توفر الإرادة لإصلاح الاختلالات القائمة، ووضع مصلحة المواطن في صلب القرار العمومي.إن حماية القدرة الشرائية ليست شعارا، بل مسؤولية، وتأجيل الإصلاح لم يعد خيارا، لأن كلفة الانتظار ستكون أعلى بكثير من كلفة القرار.



