Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

ضجيج الهدوء


بقلم : ديمة الشريف -السعودية
تشرق الشمس في كل صباح لتجد “نور” قد سبقتها إلى شرفتها الفسيحة، حيث الحب يغمر الزوايا، والجو العليل يداعب أوراق نباتاتها التي اصطفت كحرسٍ مخلص يسرّ الناظرين.
وبينما كانت قطتها المشاكسة تقطع سكون المكان بركضها العبثي ، كانت نور تنزوي في ركنها المعتاد ، يرافقها صوت المذياع الدافئ وهو يصدح بآيات الذكر الحكيم، فتنساب الأذكار من لسانها كشلال طمأنينة.
لم يقتصر صباحها على السكون، بل كانت تفتح نافذة على حيوات أخرى عبر “برودكاست” صوتي، ينقل لها تجارب وقصصاً من عوالم مختلفة، وكأنها تعيش ألف حياة في جسد واحد. وضعت الطعام لقطتها الممتنة ونثرت الحبوب لعصافيرها التي لا تكف عن التغريد شكراً، ثم مدت يدها بـ “سقايا” باردة للعمال الذين يواجهون شمس النهار أمام منزلها، في لفتة إنسانية تعيد تعريف الجوار.
نورة لم تكن تكتفي بمحيطها الضيق، بل كانت كالنحلة في خلية مجتمعها، تتطوع هنا وتخدم هناك، باذلةً من روحها ما يحيي الأمل في الآخرين. وعندما يعزّ النهار، تلوذ بمكتبتها العامرة؛ هناك حيث يسود هدوء تام يلف الأرفف المليئة بالفكر النير، لكن خلف هذا الصمت الظاهري، كانت تدور في عقلها “معارك” من الضجيج الفكري، تساؤلات لا تنتهي، وأفكار تتصادم كأمواج البحر، باحثة عن مرفأ في صفحات كتبها.
نظرت من خلف زجاج مكتبتها إلى الحديقة العامة المقابلة، حيث يركض الأطفال بضحكاتهم العفوية، في تلك اللحظة تلاشت معارك عقلها أمام مشهد البراءة، وأدركت أن أسمى مراتب الثقافة هي تلك التي تمنحنا القدرة على صناعة السلام في عالم مليء بالضجيج.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button