Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

سدنةُ الرغيف وجوهٌ تحت مجهرِ الكبد

بقلم : ديمة الشريف -السعودية

بين مطرقةِ الحاجةِ وسندانِ الكرامة، يقفُ الكادحُ كشجرةِ زيتونٍ عتيقة؛ جذورها غارقة في تراب الأرض، وأغصانها تشرئبُّ نحو سماءٍ لا تمطرُ دائماً بالعدل. هؤلاء هم “سدنةُ الرغيف”، الذين يكتبون تاريخ المدن بعرق جباهم، لا بمداد الأقلام، ويحملون على أكتافهم أثقال الحياة لكي يظل الآخرون في خفّة العيش.

إن الطبقة الكادحة ليست مجرد رقم في معادلة الفقر، بل هي القصيدة الأكثر صدقاً في ديوان الإنسانية. تبدأ حكايتهم مع أول خيط للفجر، حين يغادرون دفء الفراش ليواجهوا ريحاً عاتية أو شمساً لا ترحم.

تراهم في ورش البناء يسابقون الغبار، وفي المصانع يروضون الحديد، وفي الأسواق يحملون أماني صغارهم في سلالٍ ثقيلة. كلٌّ منهم يحمل في جيبه “فاتورة” مؤجلة، وفي قلبه “حلماً” مُعلّقاً على جدار الصبر.ما يميز هؤلاء ليس الشقاء بذاته، بل تلك “الأنفة” التي تغلف ملامحهم.

الكادح الحقيقي لا يشكو؛ صوته يخرج مخنوقاً بالرضا، وعيناه تحكيان قصصاً عن معارك ضارية خاضها ليؤمن ثمن الدواء، أو ليدفع قسط مدرسةٍ يرى فيها طوق نجاةٍ لولده.

هم يدركون أن “لقمة العيش” ليست مجرد طعام، بل هي صكّ البقاء بشرف، لذا تراهم يغسلون تعبهم بماء القناعة، ويجعلون من خشونة أيديهم وساماً على صدر العزة.المجتمع، في ضجيج صعوده، غالباً ما ينسى هؤلاء الذين شقّوا له الطريق.

ينسى أن الجدران التي تأويه، والشوارع التي يسلكها، والخبز الذي يتناوله، كلها مرت عبر “منخل” الشقاء الطويل. إنهم الأبطال الصامتون الذين لا تصفق لهم المسارح، ولا تلاحقهم الكاميرات، لكنهم “ملح الأرض” الذي يمنعها من الفساد.وفي خضم هذا الكفاح، تظل أعظم معجزاتهم هي “القدرة على الحب”.

فبرغم القسوة التي يواجهونها في الخارج، يعود الكادح إلى بيته المتواضع ليوزع الابتسامات، وكأنه يملك كنوز الأرض، محاولاً أن يقي أبناءه برودة الواقع بدفء مشاعره.

إنّ إنصاف الكادحين ليس منّةً أو تفضلاً، بل هو اعترافٌ بحق الروح التي استنزفها العمل.

فسلامٌ على كل مَن أمسى كالّاً من عمل يده، وسلامٌ على القلوب التي لا تكسرها الحاجة، بل تصقلها كالألماس تحت ضغط الحياة. هم الأصل، وما دونهم فروعٌ تستمد حياتها من صبرهم.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button