الصديق معنينو يحلل الصراع في الشرق الأوسط (1)

الأمبراطورية (الحلقة الأولى)
يقدّم الأستاذ محمد الصديق معنينو قراءة جيو-سياسية معمقة للحرب المستعرة في الشرق الأوسط، من خلال تحليل يجمع بين معطيات التاريخ الحديث وتشابكات المنافسات الجيو-استراتيجية والديناميات الإيديولوجية التي تؤثر في تفاعلات المنطقة. ويتوقف في هذا السياق عند التحولات التي عرفها النظام الإيراني، خاصة ما يرتبط بتطور مشروعه النووي واستراتيجيته في توسيع مجالات التأثير الجيوسياسي داخل المنطقة.
وفي سلسلة ضمن ملف يحمل عنوان «الصراع في الشرق الأوسط»، يطرح معنينو مجموعة من التساؤلات الجوهرية حول أدوار القوى الفاعلة في المنطقة، وعلى رأسها إسرائيل والولايات المتحدة، وذلك في إطار نظام دولي ما يزال يتسم باستمرار الهيمنة الأمريكية على كثير من موازين القوة العالمية.
وتحمل هذه المقالة الأولى عنوان «الإمبراطورية»، حيث يسعى الكاتب إلى تفكيك منطق القوة والنفوذ الذي يؤطر السياسات الدولية في الشرق الأوسط، واستجلاء تأثيراته المباشرة في طبيعة الصراعات والتحولات التي تعرفها المنطقة.
الحرب من جديد تندلع في الشرق الأوسط، وكأن القدر كتب على هذه المنطقة أن تعيش دوماً وسط الدماء والدموع، وها هي الطائرات الإسرائيلية والأمريكية تقصف جمهورية إيران وتغتال العديد من قادتها وزعمائها مدنيين وعسكريين…بل استطاعات نظراً لقوة مخابراتها واتساع رقعة الخيانة داخل إيران اغتيال المرشد الأعلى، الحاكم المطلق لإيران، المسؤول الأول عما يعانيه الإيرانيون والإيرانيات من قمع وتضييق للحريات وتأطير للمجتمع واستغلال للدين وتفشي للمحسوبية وحرمان المرأة من حقوقها.
القنبلة
كل هذا كوّن دافعا للاحتياط من إيران ومن مراقبة دقيقة لتطور الأحداث بها… غير أن ما أثار الانتباه هو عزمها على الالتحاق بالدول الحاصلة على السلاح النووري… فقد استطاعت بواسطة علمائها ومختبراتها أن تتقدم في إنتاج اليورانيوم المخصّب المؤدي إلى امتلاك السلاح الفتاك… وخلال عدة سنوات كوّن هذا السياق نحو السلاح النووي تخوفات الدول المجاورة ورفضاً مطلقاً لإسرائيل ومراقبة أمريكية عن قرب ومحاولات دولية للتأكد من أن التخصيب لن يصل إلى درجة متفوقة تسمح باستخدامه لإنتاج القنبلة الوسخة.
الجحيم
شعرت إيران بنوع من العداوة من طرف الجيران والقوى العظمى بل أحسّت أنها مطوّقة ليس فقط من الناحية العسكرية بل شعر الإيرانيون بضغط العقوبات اليومية المفروضة على بلادهم مما حول حياتهم اليومية إلى جحيم…. جحيم اقتصادي يومي وجحيم سياسي خانق… وسط هذه الأجواء الصعبة ستظهر معارضة داخلية جنينية لكنها ستتقوى كردّ فعل على القمع البوليسي وتطاول قوات الحرس الثوري.. لمواجهة هذه الضغوطات ستعمل إيران على الالتفاف على الحصار والمراقبة والعقوبات وذلك بخلق مناطق نفوذ ديني وسياسي واستخباراتي…
التوسع
ستستغل إيران هذه المناطق في إطار استراتيجية توسعية تعتمد على عقيدة تُرسخ لنوع من الاستيطان الإيديولوجي والديني والسياسي.. ستدعم إيران هذه الأذرع بالمال والسلاح والخبرة وستجعل منها «فروعا» خاضعة لطهران مستعدة لمساعدتها في حالة الاستعجال… ستستغل إيران المذهب الشيعي وتراكماته التاريخية المبنية على المواجهة والصراع كما ستستغل القضية الفلسطينية للتسلسل إلى العمق العاطفي لغير الشيعة موسعة بذلك عدد الأنصار والمؤيدين.
النفوذ
هكذا تكونت مناطق نفوذ إيرانية على حساب بعض الدول وسلامتها وأمن مواطنيها ولم تحترم : أذرع النضال السياسي الديمقراطي داخل عدد من الدول بل كونت دولاً داخل الدولة… بأحزابها وجيوشها وأسلحتها واستخباراتها ومواقفها السياسية… هذه ظاهرة تجلت في لبنان مع حزب الله وفي غزة . مع وفي اليمن مع الحوتيين وفي سوريا مع نظام الأسد… أما في العراق. فنظرا لوجود أماكن شيعية مُقدّسة منها كربلاء وغيرها، فقد انضمت الطائفة الشيعية العراقية إلى الموالين لإيران مما حتّم مواجهتها خوفا على وحدة البلاد، سواء في عهد صدام حسين أو بعد الإطاحة بنظامه.. كونت هذه الأذرع إذن وجوداً مهما للنفوذ الإيراني وصدى مُدوياً لاختياراتها الإيديولوجية والدينية والسياسية بل دخلت في بعض الحالات في صراعات عسكرية مع حكام البلاد التي تُوحد بها.
التسلل
إلى جانب ذلك تمكنت المخابرات الإيرانية من التسلل إلى العمق الفكري والعاطفي لغير الشيعة فأثرت على شريحة من مجتمعات العديد من الدول التي أصبحت تومن بأن الخلاص سيأتي على يد ملالي إيران وأن الثورة القادمة رهينة بالخضوع للتوجهات القادمة من طهران.
في المغرب حاولت إيران منذ التسعينيات من القرن الماضي التسلل إلى المجتمع عبر أنشطة متعددة سواء عبر سفارتها بالرباط، أو مقتربات محدودة في بعض الأوساط. نتيجة لهذا التدخل في شؤون المغرب تم قطع العلاقات الدبلوماسية.
الانفصال
اهتمت إيران بقضية الصحراء ومالت إلى الأطروحة الجزائرية ساعدت الانفصاليين مالاً وسلاحاً… بل قام وزير خارجية إيران بزيارة لمخيمات تيندوف ومساءلة الأسرى المغاربة الذين كانوا محتجزين هناك ويحكى الطيار المغربي على نجاح في مذكراته بأن حواراً ساخناً جرى بينه وبين وزير خارجية إيران الذي حاول قمعه وإهانته.
الحرب
اندلعت الحرب من جديد ولا يمكن لأي إنسان أن يفرح أو يرتاح لأية حرب كيفما كانت وأينما جرت أطوارها… الحرب هي ا لعنة الله على عباده… الحرب هي الوجه البشع والجاهلي للإنسان… والحرب هي آخر الحلول للمشاكل المعقدة… ولا أظن أن هذه الحرب ستحل مشاكل المنطقة ولا أتوقع سقوط النظام الإيراني في الأجل القريب بل قد يزداد عنفاً إذا شعر بالضيق الكبير وانسداد كُلّي للآفاق… المستفيد من هذه
الحرب هي إسرائيل التي ستزداد قوة واستبداداً وظلما لشعب فلسطين… إسرائيل الفتى المذلل لأمريكا تشتغل كذلك هي الأخرى على إقامة «فروع» لها عبر العالم وتستعين لوبيات مؤثرة في القرار السياسي… أما المستفيد الثاني فهي أمريكا… أمريكا أعلنت بوضوح سواء مع الجمهوريين أو الديمقراطيين أنها أمبراطورية لها طموحات لحكم العالم… وبتدخلها الآن تؤكد تفوقها العسكري إلى جانب تفوقها الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي..
عصر أمريكا
هو إذن العصر الأمريكي في أزهى مراحله يفرض شروطه وأهدافه… أمريكا عاشت خلال القرن الماضي على وقع حرب بعد حرب، وتدخل عسكري بعد الآخر .. والحروب تجري دائما على أراضي الغير وبعيداً عن أراضي الولايات المتحدة الأمريكية… لذلك تبدو الحرب عند الأمريكيين وسيلة للتوسع ومزيد من الهيمنة… لكن التاريخ علمنا أن الإمبراطوريات لها فترات قوة وهيمنة ومن فرط تلك القوة يبدأ تراجعها وسقوطها.



