Hot eventsأخبارأخبار سريعة

رحم الله الشيخ جمال الدين البودشيشي

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي

في حضرة الزاوية البودشيشية الكبرى بمداغ، حيث تفيض الأرواح بذكر الله، وتتردد الألسن بالأوراد في حلقات الذكر والسماع، كان للمكان هيبته التي تسكن القلوب قبل أن تدركها الأبصار. هناك كانت الأصوات تتعانق في تناغم روحاني، ويرتفع صوت المقرئين تجويدًا وترتيلاً، فينساب القرآن كجدول نور يروي ظمأ الأرواح. وكان الشيخ في صدر المجلس، تحيط به هالة الوقار، يحفظ له المريدون مكانته، وتُصغي الآذان لنصحه ومواعظه وإرشاده، وكأن كلماته مفاتيح تهدي القلوب إلى سكينة الطريق.


وكان المريدون يلتمسون بركاته، ويستضيئون بأنواره، وما زاده ذلك إلا تواضعًا ومحبة في القلوب. يجالس الصغير والكبير، ويأنس إليه القوي والضعيف، ويجلس عنده الغني والفقير، فلا يرى بينهم تفاوتًا ولا يزدري أحدًا؛ فالجميع عنده سواء، تجمعهم أخوة الطريق وصفاء النية.
أذكر يومًا رُفعت إلى الشيخ لائحة تضم أسماء الأعيان وأصحاب النفوذ والثراء، ممن رغبوا في استضافته في قصورهم وسراياهم. وقد وضع أحد المقدمين اسمي ضمن تلك اللائحة، غير أنه كتب إلى جانبه تعريفًا مقتضبًا: ” مولاي الحسن بنسيدي علي العبد الفقير إلى الله” دون لقب أو صفة، على خلاف ما كُتب إلى جانب أسماء الآخرين من ألقاب التبجيل: رجل أعمال، دكتور، مسؤول، وجيه، وثري و برلماني .
ورئيس..
ومضت ثلاثة أيام، ثم وقع اختيار الشيخ — بعين البصيرة — أن يحل ضيفًا على بيتي المتواضع يومها لم تكن علاقتي قوية به، كان الخبر مفاجئًا للجميع، فارتفعت همسات التساؤل وتناقلت الألسن الظنون:
من يكون هذا الذي اختاره الشيخ؟
قال بعضهم: لعله شريف النسب.
وقال آخرون: ربما كان من الأسرة الملكية واسمه يدل على ذلك.
وذهب آخرون إلى الحديث عن أبي وجدي، وعن علمٍ لا أدّعيه، بل وعن رؤيا صادقة واستخارة دلّت الشيخ عليّ.
أما أنا، فلم أكن يومها في سعة من أمري، فرفعت أكف الضراعة إلى السماء وقلت:
اللهم لا تُخزني في ضيفي، وأنت الكريم الذي لا يرد سائلاً.
شرع أهل بيتي يهيئون المنزل والبهو، ونُصبت خيمة كبيرة في الساحة لاستقبال الضيوف. وكأن العناية الإلهية أرادت أن تُتم النعمة، فقد صُرف لي قبل اللقاء بيوم جزء من مستحقاتي المالية، فوجدت في ذلك فرجًا بعد ضيق. ووقف إلى جانبي صديقي عمر بوكراع صاحب مطعم “كاسا دي المار” الكبير والمتميز، وكذلك الشريف جمال الدين الإدريسي مسؤول يومها بمارتشيكا، وشقيقي الاديب الشاعر والقانوني مولاي نورالدين بنسيدي علي رحمه الله، فكانوا سندًا في ذلك اليوم.
وجاء اليوم الموعود…
وحلّ الشيخ في وفد كبير، فغصّ البيت بالعلماء والمقدمين والمريدين وفقهاء الزوايا والادباء، كما حضر أهل الحي والأحياء المجاورة بقلوب مفعمة بالمحبة والاحترام. كان يومًا مشهودًا، امتلأت فيه الدار بذكر الله، وارتفعت فيه الأدعية والصلوات، وكأن الزمن توقف لحظة ليشهد على بركة ذلك اللقاء الذي فتح الله به علي.
ومرت السنوات…
حتى انتقل الشيخ جمال الدين البودشيشي إلى الرفيق الأعلى، فانفرط عقد الجمع الذي كان يؤلفه حضوره. وانقسمت الزاوية بين فريقين، يتنازعان المشيخة بين أخوين: فريق يؤيد مولاي معاذ، وفريق يؤيد مولاي منير. وكثرت الأقاويل، وبدل أن يسعى الناس إلى الإصلاح بين الشقيقين، وجد بعضهم في الخلاف وقودًا للفتنة، يزيدونها اشتعالًا.
أما أنا، فما زلت أذكر الشيخ كما عرفته: رجلًا لم تُلهه الدنيا عن ذكر الله، ولا غلبت عليه الأهواء، بل كان يدعو إلى التسامح وصفاء القلوب. وأذكر معه شيوخًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه الحاج مصطفى الدرفوفي السليماني الحسني بوجدة، ومولاي المهدي الوذغيري بسوطولزار، والحاج مولاي بغداد الادريسي باحدادن، ومولاي مصطفى العيساوي شيخ الزاوية العيساوية والحاج عبد الله زنداوفو بوجدة رحمهم الله جميعا وٱخرون، كانوا جسور محبة لا معاول فرقة.
وما أزال أرفع الدعاء إلى الله:
اللهم ألّف بين قلوب الإخوة، وأطفئ نار الفتنة بينهم، وانشر رحمتك في هذا العالم، حتى يعمّ السلام بين الناس جميعًا.
إنها ذكرى لا تزال تسكن القلب، كأنها نفحة من زمن كانت فيه القلوب أقرب إلى الصفاء، والوجوه أكثر إشراقًا بنور المحبة. وحفظ الله أنجال الشيخ سيدي جمال الدين البودشيشي مولاي مراد ومولاي معاد من كل سوء. والف بين قلبيهما

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button