Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

غُربة الروح.. حين تهوي المبادئ في فخ التقليد


بقلم : ديمة الشريف – السعودية

لم يعد الخطر يكمن في غزو الأرض أو نهب الثروات، بل في غزو “العقول” واستعمار “الأرواح”. إن ما نشهده اليوم من سقوطٍ متسارع للمبادئ تحت وطأة التقليد الأعمى للغرب ليس مجرد تغيير في أنماط الحياة، بل هو زلزال يضرب أركان الهوية، ويترك الإنسان في مهب ريحٍ لا تعرف للثبات معنى.

بريق الزيف وعتمة التبعية

تبدأ المأساة حين ينظر الإنسان إلى مرآة الآخر بعين الانبهار، متجاهلاً كنوزاً في جعبته. إن هذا التقليد الذي نراه ليس اقتباساً لعلوم أو نهلاً من فكر، بل هو “محاكاة للقشور”؛ فالمقلد لا يرى في الغرب انضباطه العلمي أو صرامته في العمل، بل يلهث وراء “الحرية المشوهة” التي تتنصل من كل قيد ديني أو خلقي.

هنا تسقط المبادئ، لأنها تُستبدل بفراغٍ روحي يُسمونه “تحرراً”، وما هو إلا ارتهان لشهواتٍ عابرة لا تروي ظمأ النفس.

مجتمعات بلا سياج

حين يُنزع الحجاب عن الفكر قبل الرأس، وحين تُهجر الصلاة التي هي صلة الوصل بين العبد وخالقه، يجد الإنسان نفسه في عراءٍ وجودي.

الغرب، في كثير من نماذجه المعاصرة، يعيش حالة “السيولة الأخلاقية”؛ حيث لا مذهب يوجه، ولا دين يردع، ولا حدود ترسم معالم العلاقات الاجتماعية. وحين يحاول الشرقي أن يرتدي هذا الثوب الذي لم يُفصّل على قامته، فإنه يفقد وقاره الأصيل ولا يكتسب بريق الغرب المزعوم، بل يصبح كـ “المنبتّ”، لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

انهيار الحصن الاجتماعي

إن أخطر ما في هذا التماهي هو استباحة “الخصوصية الاجتماعية”.

فالعلاقات التي كانت تُبنى على المودة والرحمة والحدود الشرعية والذوقية، تحولت بفعل المحاكاة إلى علاقات مادية نفعية، فُتحت فيها الأبواب لكل التصرفات دون وازع من حياء أو ضمير. لقد صار “المسموح” هو المعيار الوحيد، وغاب “المقدس” و”المحترم”، مما أدى إلى تآكل مفهوم الأسرة، وضياع بوصلة الجيل الجديد الذي بات يبحث عن قدوته في شاشات غريبة عنه، لا في تراث أجداده.

العودة إلى الذات

إن المبادئ ليست قيوداً تكبلنا، بل هي “أجنحة” تحمينا من السقوط في مستنقع العدمية. والتمسك بالدين، والمحافظة على الصلاة، والالتزام بالحجاب والقيم الأخلاقية، ليست مظاهر رجعية، بل هي إعلان استقلال فكري وحضاري.
إننا بحاجة إلى “صحوة وعي” تدرك أن الرقي لا يكون بخلع الهوية، بل بصقلها، وأن القوة تكمن في أن تكون “أنت”، لا نسخة باهتة من “آخر” غريب عنك.
خاتمة

إن السقوط الحقيقي ليس في عثرات الأقدام، بل في هوية تتساقط أجزاؤها قطعة تلو أخرى إرضاءً لسرابٍ غربي.
فهل نستعيد وعينا قبل أن يدركنا الطوفان ؟

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button