اللوائح الجهوية للنساء: تمكين سياسي أم غنيمة حزبية تُفجّر الصراعات؟

بقلم: ذ. زهير أصدور
تعيد كل محطة انتخابية تشريعية في المغرب طرح سؤال قديم/جديد: هل تحقق اللوائح الجهوية للنساء غايتها في تعزيز التمثيلية النسائية، أم أنها تحولت في بعض الحالات إلى آلية لإعادة إنتاج النخب داخل الأحزاب؟ فمع اقتراب الاستحقاقات، تتصاعد التوترات الداخلية، وتبرز صراعات حادة حول “من تستحق” تزكية وكيلة اللائحة، في ظل غياب إطار قانوني دقيق يؤطر هذه العملية، وتركها غالبا لتقديرات الأجهزة الحزبية.
في الأصل، جاءت اللوائح الجهوية للنساء كآلية تمييز إيجابي لتصحيح اختلال بنيوي في المشاركة السياسية للنساء. غير أن الممارسة الحزبية أفرغت هذه الآلية، في حالات متعددة، من بعدها الديمقراطي، وحولتها إلى مجال للتنافس غير المتكافئ، حيث تتداخل الاعتبارات التنظيمية مع العلاقات الشخصية والولاءات. وهنا تظهر الإشكالية الحقيقية: كيف يمكن لآلية وجدت لضمان العدالة التمثيلية أن تستعمل أحيانا لإعادة إنتاج نفس دوائر النفوذ؟
إن الانتقادات التي تصف هذه اللوائح بـ“الريعية” لا تأتي من فراغ، بل تجد سندها في حالات تم فيها إسناد التزكيات لأسماء ترتبط بعلاقات قرابة أو قرب من مراكز القرار داخل الحزب، بدل اعتماد معايير الكفاءة والاستحقاق. وهو ما ينعكس سلبا على صورة الأحزاب، ويعمق فجوة الثقة بينها وبين المجتمع.
هشاشة التأطير القانوني وغياب الشفافية
تكمن إحدى أبرز مكامن الخلل في كون عملية اختيار وكيلات اللوائح الجهوية لا تخضع لنص تشريعي ملزم يحدد المعايير والمساطر بشكل دقيق، بل تترك للأنظمة الداخلية للأحزاب، التي تختلف من حزب لآخر، وغالبا ما تظل عامة أو غير مفعلة بالشكل المطلوب. هذا الفراغ يفتح الباب أمام التأويلات، ويغذي الصراعات الداخلية، خصوصا في ظل غياب الشفافية في مراحل الانتقاء.
كما أن ضعف آليات الطعن أو المراقبة الداخلية يجعل العديد من المناضلات يشعرن بالإقصاء، ما يؤدي إلى احتقان تنظيمي قد يصل حد الانقسام أو العزوف.
ولا تقف آثار هذه الاختلالات عند حدود التنظيم الحزبي، بل تمتد إلى المشهد السياسي ككل. إذ تفرغ هذه الممارسات مفهوم التمثيلية من مضمونه، وتضعف مصداقية المؤسسات المنتخبة، وتكرس صورة سلبية عن العمل السياسي باعتباره مجالا للمحسوبية بدل التنافس الديمقراطي.
كما أن ذلك ينعكس بشكل مباشر على قضية تمكين النساء سياسيًا، حيث يتم إضعاف حضور الكفاءات النسائية الحقيقية، لصالح أسماء لا تمتلك دائما الرصيد النضالي أو التأهيلي الكافي.
لمعالجة هذه الإشكالات، يبدو أن الإصلاح يجب أن ينطلق من مستويين متكاملين:
1/ تقنين العملية تشريعيًا.
من الضروري إدخال مقتضيات قانونية تؤطر عملية اختيار وكيلات اللوائح الجهوية، عبر تحديد معايير موضوعية (الكفاءة، التجربة، الحضور الميداني)، وفرض حد أدنى من الشفافية في مسطرة الانتقاء.
2/ دمقرطة القرار داخل الأحزاب.
يتعين على الأحزاب تعزيز آليات الديمقراطية الداخلية، من خلال إشراك أوسع للمناضلين والمناضلات في اختيار المرشحات، واعتماد انتخابات داخلية أو لجان مستقلة ذات مصداقية.
3 /إرساء مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
يجب أن تكون التزكية مقرونة بتقييم الأداء، بحيث لا تتحول إلى امتياز دائم، بل إلى مسؤولية سياسية قابلة للمساءلة.
4/ تعزيز التكوين والتأهيل السياسي للنساء
بدل الاقتصار على منطق التزكية، ينبغي الاستثمار في تكوين نخب نسائية قادرة على الترافع والتأثير، بما يعزز حضورا نوعيا لا شكليا.
5/ منع تضارب المصالح والقرابة السياسية.
يمكن التفكير في مقتضيات تنظيمية أو قانونية تحد من إسناد التزكيات على أساس القرابة المباشرة، حمايةً لمصداقية العملية.
إن أزمة اللوائح الجهوية للنساء ليست في الفكرة، بل في الممارسة. فبين منطق التمكين ومنطق الريع، تقف الأحزاب أمام اختبار حقيقي لمدى التزامها بالديمقراطية الداخلية. والإصلاح لم يعد خيارا، بل ضرورة لإعادة الثقة، وضمان أن تكون هذه الآلية جسرا نحو مشاركة سياسية عادلة، لا بوابة لإعادة إنتاج نفس الاختلالات.



