أخبارالرئيسيةسياسة

حليمة العسالي..قيادة التوازن بين صرامة الموقف ودفء الحضور داخل الحركة الشعبية

✍️زهير أصدور

داخل كل تنظيم سياسي حي، توجد شخصيات لا تفرض حضورها بالضجيج، بل بالفعل المتراكم وبالقدرة على تحويل التوتر إلى توازن، والخلاف إلى مساحة قابلة للإدارة. وفي هذا المعنى تحديداً، تبرز حليمة العسالي حليمة العسالي كإحدى الشخصيات التي لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد إطار تنظيمي، بل كعنصر توازني داخل بنية سياسية معقدة ومتعددة الروافد.

ما يجعل حضورها لافتاً داخل الحركة الشعبية ليس فقط موقعها داخل هياكل القرار، بل قدرتها على الاشتغال في المسافة الدقيقة بين الإرث السياسي للحزب وبين تحولات الحاضر. فهي تتحرك داخل تنظيم يحمل ذاكرة ثقيلة وممتدة، من المؤسسين إلى الأجيال الجديدة، في سياق يعرف تحولات اجتماعية وسياسية سريعة، تحتاج إلى خطاب قادر على الجمع لا التفكيك، وعلى التهدئة لا الاستقطاب.

من يقترب من مسارها يلاحظ أنها لا تتعامل مع التنظيم بمنطق الصراع الداخلي كغاية، بل بمنطق الحفاظ على “قابلية البقاء السياسي” للحزب. وهذا ما يفسر ميلها الواضح إلى تجنب فتح جبهات مجانية، أو الانخراط في صراعات داخلية لا تنتج قيمة سياسية مضافة. هذا الاختيار ليس ضعفا في الموقف، بل قراءة مختلفة لوظيفة القيادة داخل الأحزاب: قيادة تحافظ على البيت من الداخل قبل أن تنشغل بمعارك الخارج.

في المقابل، لا يمكن فهم قوتها السياسية دون التوقف عند تلك الصرامة التي تُنسب إليها داخل بعض الأوساط، والتي تُختزل أحياناً في وصف “المرأة الحديدية”. غير أن هذا الوصف، رغم شيوعه، لا يعكس كل الأبعاد. فهذه “الصلابة” ليست سلوكا عاما، بل آلية دفاع سياسي تظهر عند لحظات الاختلاف الحاد أو عندما يتعلق الأمر بما تعتبره مساسا بالإنصاف أو بوحدة التنظيم أو بهوية الحزب.

أما في الفضاء الإنساني القريب، فتتبدى ملامح مختلفة تماما. هناك، يظهر نوع آخر من الحضور: حضور يُشعر من حولها بأنها أقرب إلى “مرجعية احتواء” داخل التنظيم، حيث يتحول النقاش من مواجهة إلى حوار، ومن توتر إلى تهدئة. هذا التناقض الظاهري بين الصرامة والدفء ليس تناقضا في الجوهر، بل هو توزيع واع للأدوار بحسب السياق.

ما يميزها أيضا هو أسلوبها في التواصل داخل الحزب. فهي لا تفضل الخطابات الرمادية أو المواقف الملتبسة، بل تميل إلى الوضوح حتى وإن كان حادا. هذه الصراحة، التي قد تُفهم أحيانا على أنها جرأة زائدة، هي في العمق تعبير عن تصور للسياسة باعتبارها مسؤولية مباشرة لا تحتمل التدوير الزائد للكلام.

وفي بعد آخر لا يقل أهمية، يظهر البعد الحقوقي في مقاربتها للعلاقات داخل التنظيم. فهي تضع مسألة الإنصاف الداخلي، ورفض الحيف، ومحاربة النفاق السياسي ضمن أولوياتها غير المعلنة. وهذا ما يجعلها، في نظر البعض، ليست فقط فاعلة سياسية، بل أيضا ضميرا تنظيميا في لحظات الاختبار الصعبة.

أما علاقتها بالأجيال الجديدة داخل الحزب، فتبدو واحدة من أهم عناصر تميزها. فهي لا تتعامل مع الشباب كامتداد طقوسي، بل كطاقة يجب استيعابها وتوجيهها دون كسرها. ومن هنا ينبع ذلك القبول الذي تحظى به لدى فئات واسعة داخل التنظيم، حيث يلتقي الاحترام مع نوع من القرب الإنساني الذي يصعب تصنيفه في إطار رسمي بحت.

وفي العمق، يمكن القول إن ما تقدمه داخل الحركة الشعبية هو نموذج لقيادة نسائية لا تكتفي بتمثيل رمزي، بل تشتغل على هندسة التوازن الداخلي للحزب. قيادة تفهم أن قوة التنظيم لا تُقاس فقط بحدة مواقفه، بل بقدرته على البقاء موحدا رغم اختلافاته، وعلى تحويل التنوع الداخلي إلى مصدر قوة بدل أن يكون عامل تفكك.

إن شهادتي هذه ليست تأطيرا نهائيا لشخصية سياسية معقدة، بقدر ما هي محاولة للاقتراب من نموذج قيادي يجمع بين الصرامة والإنصات، بين الحسم والاحتواء، وبين الانتماء العميق للحزب والقدرة على تجديد صلته بأجياله الجديدة. وفي زمن سياسي سريع التحول، ربما تكون هذه القدرة على الجمع بين المتناقضات هي أبرز أشكال القيادة استدامة وتأثيرا.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button