Hot eventsأخبارأخبار سريعةثقافة و فن

زمن المسرح الجميل

بقلم الأستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي

حين يحل اليوم العالمي للمسرح، لا يكون الأمر مجرد تاريخ عابر في رزنامة الثقافة، بل لحظة تأمل عميقة في مسار فنٍ ظل عبر العصور بيتًا للإنسان، ومنبرًا للحقيقة، ومرآة تعكس وجوه الحياة بما فيها من صراع وأمل وجمال.
إنه يوم نستحضر فيه قامات مسرحية وقفت بشموخ على الركح، وقدمت بإبداعها فناً راقياً جمع بين حرارة التشخيص وعمق التأليف ورؤية الإخراج، في تناغم مع عناصر العرض المسرحي من إنارة وديكور وإيقاع درامي يجعل من الخشبة عالماً نابضًا بالحياة.


كان أولئك المبدعون يدخلون الركح كما يدخل العابد محرابه؛ بإيمان عميق برسالة الفن، وبشغف لا يعرف التعب. كانوا يتحملون مشقة البروفات وطول الانتظار، ويصنعون من الإمكانات البسيطة عوالم مسرحية كبيرة، لأن ما كان يحركهم لم يكن السعي إلى الأضواء، بل الوفاء لرسالة المسرح.
وفي تلك السنوات التي ازدهر فيها مسرح الهواة، تشكلت مدرسة حقيقية للفن، حيث كانت الفرق المسرحية تتنافس بروح نبيلة، ويجتمع الممثلون حول حلم واحد: أن يقدموا عرضًا صادقًا يلامس وجدان الناس. وكان الجمهور بدوره جزءًا من هذا الحلم؛ يأتي إلى القاعات بشغف، ينتظر رفع الستار كما ينتظر لقاءً عزيزًا.
ومن بين تلك التجارب المتوهجة خرجت أسماء أصبحت فيما بعد من رواد المسرح وأعلامه، أسماء صنعت حضورها بالإخلاص والجدية والعمل الدؤوب، لا بالبحث عن شهرة عابرة أو تصفيق سريع أو جري وراء دعم مادي غير مستحق لعمل بدون طعم في قاعة مغلقة من غير جمهور.
واليوم، ونحن نستعيد هذه الذاكرة المسرحية، نستحضر أيضًا وجوهًا رحلت عن خشبة الحياة من أعلام المسرح بالجهة الشرقية، ممن عاصرناهم ونهلنا من تجاربهم وتعلمنا من تواضعهم وعشقهم للفن. وقد لا يتسع المقام لذكرهم فردًا فردًا، خشية أن يسقط اسم من ذاكرة الوفاء، لكنهم جميعًا حاضرون في وجدان المسرح الذي أحبوه وأخلصوا له.
إنها لحظة وفاء نرفع فيها أكف الدعاء إلى الله أن يتغمدهم بواسع رحمته، وأن يسكنهم فسيح جناته، وأن يبقى أثرهم مضيئًا في ذاكرة الفن كما تبقى الأضواء معلقة فوق خشبات المسارح.
ويبقى الأمل معقودًا على الأجيال الجديدة من المسرحيين أن تحمل المشعل بنفس الروح التي حملها الرواد: روح التفاني والتواضع والصدق الفني، وأن تواصل السير في دروب الإبداع، محافظةً على جوهر هذا الفن العريق بعيدًا عن الضجيج العابر والتجاذبات المادية.
فالمسرح لم يكن يومًا مجرد فرجة، بل كان دائمًا مساحة للحلم، وبيتًا للحقيقة، وصوتًا للإنسان وهو يبحث عن معنى وجوده فوق هذه الخشبة الكبيرة التي اسمها الحياة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button