وجدة تحتضن ندوة دولية حول الآثار غير الجارحة… نحو ثورة علمية في استكشاف الماضي دون تنقيب

انطلقت، اليوم الجمعة، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة، أشغال ندوة دولية حول “الدراسات الأركيولوجية غير الجارحة ورد الاعتبار للمناظر الطبيعية في حوض البحر الأبيض المتوسط خلال العصرين القديم والوسيط”، بمشاركة باحثين وخبراء من المغرب وخارجه، في لقاء علمي يعكس التحولات العميقة التي يعرفها علم الآثار في ظل التطور التكنولوجي.
وتندرج هذه التظاهرة العلمية، التي ينظمها فريق البحث في علم الآثار والجغرافيا وتاريخ المغرب العربي، بشراكة مع مؤسسات أكاديمية دولية، ضمن جهود متواصلة لتطوير المقاربات البحثية الحديثة، خاصة تلك التي تتيح دراسة المواقع الأثرية دون اللجوء إلى الحفريات التقليدية.
نحو مقاربات غير تدخلية
تركز الندوة، الممتدة على مدى يومين، على استعراض أحدث التقنيات المعتمدة في الدراسات الأثرية غير الجارحة، والتي تسمح بالكشف عن المعالم المدفونة أو المغمورة دون إتلافها. وتشمل هذه التقنيات الاستشعار عن بعد عبر الأقمار الصناعية، والرادار الجيولوجي، والمسح المغناطيسي، إضافة إلى التصوير الجوي والمسح بالليزر (LiDAR).
وفي هذا السياق، أكدت الأستاذة الجامعية نزهة بودهو، عضو اللجنة المنظمة، أن هذا اللقاء يشكل منصة لعرض نتائج الأبحاث المنجزة في الفضاء المتوسطي، مشيرة إلى أن المقاربة المعتمدة تقوم على تقاطع التخصصات، من تاريخ وجغرافيا وآثار، بما يتيح إعادة بناء المشاهد القديمة بشكل أكثر دقة وشمولية.
“ثورة” في علم الآثار
من جانبه، اعتبر غريغوار بوكاردي، أستاذ بجامعة ليل الفرنسية، أن اعتماد التقنيات غير الجارحة يمثل “ثورة حقيقية” في علم الآثار، مبرزاً أن العلماء لم يعودوا مضطرين للاعتماد فقط على الحفر الميداني، بل أصبح بإمكانهم استكشاف المواقع باستخدام أدوات تكنولوجية متقدمة توفر معطيات دقيقة دون المساس بالبنية الأصلية للمواقع.
وأوضح أن هذه المقاربات الحديثة لا تلغي الطرق التقليدية، بل تكملها، مبرزاً أن الجمع بين الطريقتين يتيح نتائج أكثر عمقاً وموثوقية.
تعاون علمي متجدد
وسلط المتدخلون الضوء على أهمية التعاون الدولي، خاصة بين المغرب وفرنسا، في تطوير البحث الأثري وتبادل الخبرات، مع التركيز على تكوين جيل جديد من الباحثين القادرين على استثمار هذه التحولات العلمية.
في هذا الإطار، شدد عميد الكلية، الحسين أوشني، على أن علم الآثار بات اليوم في تفاعل مستمر مع مجالات معرفية متعددة، من بينها العلوم الطبيعية والتكنولوجيا الرقمية والأنثروبولوجيا، معتبراً أن هذا التداخل يعزز من جودة البحث العلمي ويفتح آفاقاً جديدة لفهم الماضي.
حماية التراث مسؤولية مشتركة
كما أكد المتدخلون أن اللجوء إلى الدراسات غير الجارحة لا يقتصر على تطوير المعرفة العلمية، بل يساهم أيضاً في حماية التراث الأثري من التدمير، باعتباره رصيداً إنسانياً مشتركاً يتطلب صيانته للأجيال المقبلة.
وتناول برنامج الندوة عدة محاور، من بينها نظم المعلومات الجغرافية، والرقمنة ثلاثية الأبعاد، وتقنيات التحري الجيوفيزيائي، في محاولة لرسم ملامح مستقبل علم الآثار في المنطقة المتوسطية، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع التاريخ لإعادة اكتشاف الماضي بوسائل أكثر دقة واستدامة.



