
بقلم:الكاتب الصحافي عبدالله العبادي
لماذا أصبح الخطاب الحضاري لبعض الدول أجوف؟ تعتقد بعض الدول أنها تفكر بمنطق تراكمات قرون، لكن أفعالها تشير عكس ذلك، لأن هناك فرق بين امتداد سياسي عبر قرون، بواسطة نظام سياسي قار، وبين تجارب سلبية لم يكن لها أبدا شكلا واحدا للدولة.
فالدول المعاصرة لا تقاس بعدد قرون وجودها قبل الميلاد، بقدر ما تقاس بمدى استمرارها في الزمان والمكان لقرون طويلة، ووصولها لمرحلة نضج جعلت منها ومن سياساتها، دول لها مكانة ولها نظام سياسي قائم بذاته.
الملاحظ أنه في لحظات الأزمات، لا يتحدث قادات هذه الدول، ومنهم السياسيون والإعلاميون وحتى العامة، عن الحاضر أو المستقبل، بل عن الماضي التليد. ومع تزايد الضغط الداخلي والخارجي، لا يستحضرون السياسات المتبعة أو الاستراتيجيات المخطط لها، بل يستحضرون حضارات عمرها آلاف السنين، وكأنهم يغطون عن الفشل الحالي بالهروب نحو التاريخ والهوس الحضاري.
قد تهدف هذه الخرجات المسرحية، ومن خلال رسائلهم إلى إظهار قوة غير حقيقية، لكنها تخفي في الوقت نفسه مفارقة أعمق. فالدول التي تدّعي التفكير على مدى قرون، من المفروض أن يكون لها تراكمات سياسية كبيرة، غالباً ما تحكم، بشكل عشوائي، وكأنها لا تستطيع رؤية أو استشراف ما وراء الأزمة الحالية.
وفي المقابل هناك دول ترى في تزوير التاريخ أو خلق تاريخ على مقاسها يقيها حر ضياع فرص بناء الحاضر والتخطيط للمستقبل. ويجعل من محاولات سرد أحداث تاريخية وسياسية مجرد عبث يلهي به المواطنين ويشغل النقاشات العقيمة.
فالتاريخ الحقيقي، والتجارب الطويلة الحقيقية، هي من تولد لنا دولا قوية سياسيا ولها مواقف ومبادئ ثابتة في الزمان والمكان رغم تغير المعطيات الخارجية، لأنها ثمار نضج سياسي عميق تكون الدولة العميقة لها ثقل كبير في التوجهات العامة للدولة ولا تتأثر بتغير الحكومات والساسة.
ماذا استفادت الكثير من الدول من التمجيد للتاريخ والحضارة، سوى عنتريات لا تقي من برودة الاستبداد السياسي ولا من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتكررة. الدول هي منتوج، هي ثمرة تراكمات فكرية وسياسية، فلا معنى للحضارة والقرون الغابرة إذا كان النظام لم يجد بعد طريقه نحو الاستقرار على نهج ما، هنا يكمن السؤال الذي تحاول بعض الدول تجاوزه، ماذا استفادت من التاريخ؟ وهل يتجلى التاريخ في الحاضر؟ وهل يحضر التاريخ في سياسات المستقبل؟ بالطبع لا، لأنها دول ورقية تجيد التمجيد والبكاء على الأطلال.
دعوكم من هذا الخطاب الحضاري الأجوف، كلما ضاقت بكم السياسة، تتجهون نحو الماضي، كلما تأزمت أكثر كلما تحدثتم عن الحضارة، وهي صفة عربية بامتياز، تنم عن ضعف بنيوي في العقلية العربية، وهفوات كبيرة في الفعل والممارسة السياسية لذى الكثير من الأنظمة الورقية، التي أصبحت مثل الهشيم الذي تدروه الرياح.



