ذاكرة الصحافة المغربية في مواجهة “المقصلة” التشريعية … رسالة مفتوحة إلى نواب الأمة

في لحظة تشريعية فارقة، وبينما تستعد لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب للحسم في تعديلات مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة خلال دورة أبريل 2026، يرتفع صوت “منتدى الصحافيات والصحافيين الشرفيين بالمغرب” ليضع النقاط على الحروف. هي ليست مجرد مطالب فئوية، بل صرخة دستورية وحقوقية ضد ما يصفه المنتدى بـ “الإقصاء المتعمد” و”الردة الحقوقية” التي تمس فئة أفنت عقوداً في خدمة الإعلام الوطني.
غبش التشريع.. عندما يُصبح الوفاء إقصاءً
يتساءل المنتدى بمرارة: كيف يمكن لمشروع قانون يطمح لتنظيم المهنة أن يُسقط من حساباته “الصحافي الشرفي”؟ ذاك المهني الذي لم يغادر الميدان إلا بعد ثلاثين أو أربعين سنة من العطاء، ليجد نفسه اليوم أمام نص تشريعي يمارس عليه “قتلاً معنوياً” عبر نزع تمثيليته داخل هيئة التنظيم الذاتي.
إن مكمن الخطر يكمن في “الصمت التشريعي” المريب تجاه وضعية هذه الفئة. فبينما يفتح مشروع القانون أبواب المجلس الوطني للصحافة لتعيين أعضاء من خارج الجسم الصحافي (قضاة وحقوقيين واقتصاديين)، فإنه يضع المتاريس أمام “حكماء المهنة” بدعوى اشتراط الممارسة الفعلية والبطاقة المهنية السارية، متجاهلاً أن “الصحافي الشرفي” يجدد انتماءه سنوياً عبر بطاقة قانونية رسمية.
الأرقام الصادمة: واقع اجتماعي “هش”
بعيداً عن السجال القانوني، كشفت الاستمارات التي أنجزها المنتدى عن واقع اجتماعي يندى له الجبين:
- أزمة سكن: 40% من الصحافيين المتقاعدين يعيشون في بيوت كراء أو مع الأهل.
- وجع المرض: 37% يعانون من أمراض مزمنة، في ظل غياب التغطية الصحية التكميلية لـ 75% منهم.
- معاشات الكفاف: 10% لا يتقاضون أي معاش أو يتقاضون أقل من 2000 درهم، بينما 47% يصارعون الحياة بمعاشات لا تتجاوز 6000 درهم.
هذه الأرقام تعطي للمطلب التعديلي صبغته الاستعجالية؛ فالإقصاء من المجلس الوطني للصحافة ليس إقصاءً رمزياً فحسب، بل هو تخلي عن فئة تحتاج لصوت يدافع عن كرامتها داخل المؤسسات.
المرجعية الدستورية: لا تراجع عن المكتسبات
يستند المنتدى في مرافعته إلى حجة قانونية دامغة: مبدأ عدم التراجع عن المكتسبات. فالمجلس في نسخته الأولى كان يضم تمثيلية للصحافيين الشرفيين، وإسقاطها اليوم يعد خرقاً للفصل 12 من الدستور الذي يكرس المقاربة التشاركية، وانتهاكاً لاتفاقيات منظمة العمل الدولية واليونسكو التي تؤكد على ضرورة تمثيل “التنوع الكامل” للجسم الصحافي، بما فيه الأجيال السابقة التي تشكل الرصيد القيمي للمهنة.
التعديلات المقترحة لإنصاف “الشيوخ
أمام هذا التناقض البنيوي في المادة الخامسة من مشروع القانون، يتقدم المنتدى بمطلبين واضحين لا يقبلان التأويل:
- تمثيلية مضمونة: تخصيص مقعدين ضمن تركيبة المجلس، أحدهما يعين فيه ممثل عن “منتدى الصحافيات والصحفيين الشرفيين” والثاني ينتخب من قبل هذه الفئة.
- الوضوح الإجرائي: التنصيص صراحة على أن بطاقة “الصحافي الشرفي” المجددة سنوياً هي بطاقة “سارية المفعول” لأغراض التمثيلية والمشاركة.
الدرس الإسباني والوعي الوطني
يُذكرنا المنتدى بتجارب دولية كالتجربة الإسبانية والأوروبية، حيث تظل حقوق الصحافي المتقاعد في التصويت والتمثيل قائمة، ليس كـ “صدقة” تشريعية، بل كاعتراف بأن الهوية المهنية لا تنتهي بالتقاعد الإداري.
إن الرسالة الموجهة اليوم إلى أعضاء البرلمان واضحة: “إن مهنة لا تُكرم شيوخها تُربي أجيالاً لا تعرف ماضيها”. إنها فرصة أخيرة أمام المشرع المغربي ليعيد الاعتبار للذاكرة الحية للإعلام الوطني، ويؤكد أن القانون وجد لينصف لا ليقصي، وليبني لا ليهدم المكتسبات.



