حضوري في جنازة سقراط

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي
حين نقرأ سيرة سقراط لا نقف أمام رجلٍ يمضي إلى الموت، بل أمام حكمةٍ تمشي على قدمين نحو قدرها. لم يُحمل إلى مصيره على نعشٍ كما يُحمل الخائفون، بل سار إليه ثابتًا، كمن يعرف أن الحقيقة أثمن من الحياة نفسها.
حين ناوله الساقي كأس السم، لم ترتجف يدُه، ولم يَشِ وجهه باضطراب. تناوله في سكينة الحكيم الذي خبر الدنيا وعرف أن العدل قد يُدان في محكمة البشر، لكنه لا يُدان في محكمة الضمير. فرفع الكأس وشرب، ثم أطلق ابتسامةً هادئة وقال كلمته التي بقيت صدىً في ذاكرة الفلسفة: إن البجع لا يحزن للموت، بل يغنّي لأنه مقبلٌ على لقاء خالقه.
وقبل أن يفارق الحياة، التفت إلى زوجته التي غلبتها الدموع، فاحتضنها وهمس في أذنها:
لا تبكي… لقد جئنا إلى هذه الحياة ونحن نعلم أن الموت رفيق طريقنا، وأن لكل روحٍ موعدًا لا يتقدم ولا يتأخر.
ثم خطا خطواتٍ قليلة، لكن السم بدأ يعمل في جسده، فثقلت قدماه واستلقى على الأرض. وكان الموت يسري فيه هادئًا، كما كانت الحكمة تسري من فمه طوال حياته؛ حكمةٌ كانت تحاول أن تخفف قسوة السلطة، وأن تذكّر الناس بأن العدالة لا تُقاس بقوة السوط، بل بميزان العقل والضمير.
أغلقتُ الكتاب عند هذه الصفحة، ومسحت دمعةً أفلتت من عيني. شعرت أنني أقف أمام درسٍ لا يخص الماضي وحده، بل يخص الإنسان في كل زمان.
وتواريت عن الساقي وعن عيون المتربصين بالفقراء والمقهورين وعامة الناس من يعتبرونهم عبيدا. فالعمر أثقل كاهلي، والعظم قد وهن، ولستُ جلدًا كـسقراط، ولا أملك صبر الفلاسفة.
قد ينتصر السيف على الجسد، لكن الفكرة لا تُقتل، والحكمة لا تُعدم.
وهكذا رحل سقراط جسدًا، لكنه ترك وراءه طريقًا يسير عليه كل من آمن بأن الحقيقة أغلى من الخوف، وأن الإنسان قد يخسر حياته… لكنه يربح خلوده حين يظل وفيًّا لما يؤمن به.



