ما أشجع عبد الله بن المقفع ..وما أجبن مولاي الحسن بن سيدي علي

بقلم الأستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي
في تاريخ الفكر العربي كتبٌ لم تكن مجرد حكايات، بل كانت مرايا تعكس أحوال السلطة والمجتمع. ومن أشهر تلك الكتب كتاب كليلة ودمنة الذي خلّده الأديب الكبير عبد الله بن المقفع.
لم يكن هذا الكتاب مجموعة قصص عن الحيوانات فحسب، بل كان نصًا سياسيًا ذكيًا، صاغه صاحبه بلغة الرمز والتلميح، حين أدرك أن الحقيقة لا يمكن قولها أحيانًا بلسان البشر، فاستعان بألسنة الحيوانات. فجعل من نباح الكلب إشارة إلى الضجيج الفارغ، ومن نهيق الحمار صورةً للبلادة، ومن فحيح الأفعى رمزًا للمكر والدسائس، ومن هديل الحمام دعوة إلى السلم، ومن زئير الأسد صورةً للسلطان، ومن مواء القطط تملقًا، ومن صهيل الفرس صوتًا للكرامة.
كانت الحكايات تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها كانت تحمل في باطنها نقدًا لاذعًا للسلطة وأحوال الحكم. وقد فهم أصحاب السلطة الرسالة جيدًا، فغضبوا من المرآة التي عكست صورهم، وألصقوا بصاحبها تهمة الزندقة. ولم يكن ذلك سوى ذريعة لإسكات صوتٍ أدبي جريء، فكان مصير صاحبه السجن والتعذيب والتقطيع والقتل الحرق.
رحل عبد الله بن المقفع منذ قرون، كما رحل الذين حكموا في زمانه، لكن كتابه بقي حيًا، تتناقله الأجيال، وتعود إليه النفوس كلما ضاقت بما حولها. لقد مات الجسد، لكن الفكرة بقيت، وهذه هي قوة الكلمة حين تكون صادقة.
غير أن التأمل في تجربة ابن المقفع يطرح سؤالًا صعبًا على كل من يفكر في الكتابة: هل الشجاعة الفكرية وحدها تكفي؟ وهل يستطيع كل كاتب أن يدفع ثمن الكلمة إذا كان الثمن باهظًا؟
حين حاولت أن أكتب عن واقعنا المعاصر، عن الغلاء الذي يرهق الناس، وعن القهر الذي يثقل النفوس، وعن الفساد الانتخابي، وعن الفقر والهشاشة والوضع الصحي المتعب، وجدتني أتوقف طويلًا. تساءلت بيني وبين نفسي: هل أملك القدرة على مواجهة العواقب؟ وهل في جسدي ما يحتمل السجن أو التعذيب؟
كانت الإجابة صامتة لكنها واضحة. فليس كل من يعرف الحقيقة يستطيع أن يحمل عبء الجهر بها. وهكذا فضّلت السلامة، واكتفيت بالصمت، مثل كثيرين غيري، حتى صار الصمت أحيانًا أقرب إلى العادة منه إلى الاختيار.
وفي زماننا كما جاء في الأثر الحسن “الناس كالإبل المئة لا تكاد تجد فيهم راحلة”
لكن التاريخ يظل يذكّرنا بحقيقة لا تتغير: قد يُسكت الكاتب، وقد تُحاصر الكلمة، لكن الفكرة الصادقة لا تموت. إنها تعود دائمًا، في كتابٍ آخر، أو قلمٍ آخر، أو زمنٍ آخر.
ولعل هذا هو الدرس الذي تركه لنا ابن المقفع:
قد يصمت البشر خوفًا، لكن الأفكار تجد دائمًا طريقها إلى الكلام.
رحم الله عبد الله بن المقفع، الذي علّمنا أن الحيوانات قد تتكلم بالحكمة، حين يعجز البشر عن قولها.



