قطارات لخليع..متحف متنقل للأعطاب التقنية

حين يتحول القطار إلى متحف متنقل للأعطاب في المغرب، لا يحتاج المواطن إلى تذكرة سفر ليعيش تجربة الإثارة والمفاجآت، يكفيه أن يركب أحد قطارات المكتب الوطني للسكك الحديدية، ليكتشف بنفسه معنى التشويق الحقيقي. فبينما يظن البعض أن القطار وسيلة نقل، يراه الركاب المغاربة مختبراً مفتوحاً للأعطاب التقنية، وتجربة فلسفية في الصبر والتأمل.
يبدأ المشهد عادة بإعلان صوتي مطمئن: “القطار سيتأخر قليلاً بسبب عطب تقني”. كلمة “قليلاً” هنا مرنة جداً، قد تعني عشر دقائق، أو ساعة، أو حتى زمناً كافياً لتكوين صداقات جديدة على الرصيف.
ذلك ما حدث صباح اليوم بين الدار البيضاء و الرباط، حيث قضى القطار حوالي ساعتين “مشيا”على سكته مشية السلحفاة، مع اعلانات ناعمة متقطعة عن حدوث عطب تقني..
الركاب في البداية يتبادلون النظرات، البعض منهم يضحك بسخرية، والبعض الآخر يفتح هاتفه ليكتب منشوراً غاضباً على مواقع التواصل، بينما يكتفي آخرون بالتأمل في الأفق، متسائلين إن كان القطار سيصل قبل التقاعد.
المدير العام، السيد لخليع، يبدو وكأنه يعيش في عالم موازٍ، حيث القطارات تسير بدقة سويسرية، والمكيفات تعمل كأنها في إعلان تجاري. أما في الواقع، فالمكيف إما لا يشتغل في عز الصيف، أو يتحول إلى ثلاجة في عز الشتاء. المقاعد تصدر أصواتاً غريبة، والأبواب أحياناً ترفض الإغلاق، وكأنها تحتج على ظروف العمل.
الطريف أن المكتب الوطني للسكك الحديدية لا يتوقف عن إطلاق الشعارات البراقة: “قطارات المستقبل”، “راحة الركاب أولويتنا”، “تجربة سفر فريدة”.
فعلاً فريدة، لأن لا أحد في العالم يعيش تجربة مماثلة: قطار يتوقف في منتصف الطريق، الركاب ينزلون لالتقاط صور “سيلفي” مع العطب، ثم يعودون إلى مقاعدهم وكأن شيئاً لم يكن.
أما القطار الفائق السرعة “البراق”، فهو قصة أخرى. يُقدَّم كرمز للتطور والحداثة، لكنه أحياناً يثبت أن السرعة لا تعني الكفاءة.
فحتى “البراق” قد يتعثر، وكأن التكنولوجيا نفسها قررت أن تأخذ قسطاً من الراحة على الطريقة المغربية.
خلاصة القول، يبدو أن أعطاب القطارات ليست مجرد مشاكل تقنية، بل جزء من الهوية الوطنية. فكما يتعايش المغربي مع انقطاع الماء والكهرباء، يتعايش أيضاً مع توقف القطار.
وربما سيأتي يوم تُدرج فيه هذه الأعطاب ضمن التراث اللامادي للمغرب، تحت عنوان: “فن الانتظار الجماعي”.
حتى ذلك الحين، سيظل الركاب يرددون المثل الشعبي المعدّل: “اللي ركب القطار ديال لخليع، يتوكل على الله وما يسولش فوقاش غيوصل.”



