
بقلم: أنس زيزي
في لحظة سياسية مفصلية تواكب نهاية الولاية التشريعية، جاء اللقاء الافتتاحي للفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، المنعقد يوم 19 أبريل 2026 بالرباط، ليشكل محطة تقييم حقيقية لمسار العمل الحكومي، وبداية رسم ملامح المرحلة المقبلة؛ وقد ترأس هذا اللقاء د. نزار بركة الأمين العام لحزب الاستقلال، الذي قدم عرضا سياسيا اتسم بالوضوح والعمق، جامعا بين تثمين المنجزات ومصارحة الرأي العام بالتحديات.
لقد أبرز نزار بركة أن الحكومة نجحت في إطلاق أوراش اجتماعية واقتصادية كبرى، في مقدمتها تعميم التغطية الاجتماعية، وتحسين الأجور، وتوسيع البنيات التحتية من خلال تطوير شبكة الطرق السريعة ومشاريع الموانئ الاستراتيجية، كما أشار إلى دينامية استثمارية غير مسبوقة، من خلال برامج تنموية ترابية، تستهدف تقليص الفوارق المجالية وتعزيز العدالة الاجتماعية.
غير أن ما ميز هذا الخطاب لم يكن فحسب عرض الحصيلة، بل الجرأة في الاعتراف بالاختلالات، فقد أقر نزار بركة بأن نتائج التشغيل لم ترق إلى مستوى التطلعات، رغم ارتفاع حجم الاستثمار العمومي، كما نبه إلى استمرار الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين، وتفاقم المضاربات في الأسعار، وهو ما يعكس اختلالات بنيوية في السوق وفي تفاعل القطاع الخاص مع دينامية الدولة.
هذا التوازن بين الإنجاز والنقد الذاتي يعكس رشدا سياسيا في الخطاب السياسي، حيث لم يعد الاكتفاء بالدفاع عن الحصيلة كافيا، بل اضحى واجبا تقديم قراءة واقعية تعيد بناء الثقة مع المواطن، وفي هذا السياق، يبرز بركة كقائد للمرحلة، يعتمد على المصداقية كمدخل أساسي للفعل السياسي، ويؤسس لخطاب يقوم على الوضوح بدل التبرير. كما أن تركيزه على مفاهيم “الإنصاف” و“العدالة المجالية” ليس مجرد امتداد لشعار انتخابي، بل يعكس محاولة لإعادة تأطير السياسات العمومية حول أولويات اجتماعية ملموسة، خاصة في ظل التحديات التي تواجه الطبقة المتوسطة والفئات الهشة؛ ويعزز هذا التوجه طرحه لملفات استراتيجية مؤجلة، كإصلاح أنظمة التقاعد وتحقيق السيادة الطاقية، والمائية، والغذائية، والصناعية، والتكنولوجية، … باعتبارها رهانات مركزية للمرحلة المقبلة.
ومن زاوية أعمق، يكشف الخطاب عن وعي متقدم بحدود النموذج التنموي الحالي، خاصة فيما يتعلق بعلاقة الاستثمار بالتشغيل، وهو ما يفرض إعادة النظر في أدوار الفاعلين الاقتصاديين، وفي مقدمتهم القطاع الخاص، الذي لم يواكب بالشكل الكافي الدينامية التي تقودها الدولة. إن الرسالة السياسية التي يحملها هذا الخطاب مزدوجة الأبعاد داخليا تعبئة تنظيمية قائمة على تقييم موضوعي للحصيلة، وخارجيا محاولة لاستعادة ثقة المواطن عبر خطاب صريح ومسؤول؛ وهو ما يؤسس لمرحلة سياسية جديدة، قوامها الانتقال من تدبير المنجز إلى بناء أفق استراتيجي أكثر وضوحا. في المحصلة لا يكتفي نزار بركة بعرض ما تحقق، بل يضع أسس رؤية سياسية لمرحلة ما بعد 2026، قائمة على الإنصاف، والعدالة الترابية، والإصلاح العميق؛ وهي مؤشرات توحي بأن حزب الاستقلال يسعى إلى إعادة تموقعه كقوة اقتراحية تقود النقاش العمومي، وتستعد لقيادة مرحلة جديدة بثقة ومسؤولية.



