حين يفضح شارع الجيش الملكي أوهام الإقلاع السياحي.. فاس بين واجهة الترويج وواقع ينفّر الزوار+ فيديو

بقلم: الحسن سنداني
كثيرًا ما يُرفع شعار “النهوض بالقطاع السياحي” في العاصمة العلمية فاس، وكثيرًا ما تُكتب الخطب المنمقة وتُرصّع بتعابير من قبيل “الوجهة العالمية” و”الإقامة الطويلة بدل العبور”. غير أن المشكلة في فاس ليست في قلة الشعارات، بل في كثرتها إلى درجة أنها أصبحت غطاءً سميكًا يُخفي واقعًا أكثر سماكة: واقع الاختلالات اليومية التي تعيشها المدينة في صمتٍ صاخب.
شارع الجيش الملكي، هذا الشريان الذي يُفترض أن يكون واجهة حضارية بحكم احتضانه لست وحدات فندقية مصنفة، تحوّل إلى مسرح مفتوح لظواهر تنخر في عمق الأخلاق العامة وتُقوّض أي مجهود ترويجي للسياحة. هناك، لا تحتاج إلى دليل سياحي لتكتشف “الوجه الحقيقي” للمدينة؛ يكفي أن تمشي ليلًا لتقرأ فصولًا من رواية عبثية: بائعات الهوى، سكارى يتمايلون بين السب والشتم، نشّالون يمارسون مهنتهم في وضح الفوضى، وأصحاب دراجات نارية يحولون الشارع إلى حلبة بهلوانية لا تراعي نزيلًا ولا سائحًا.
ولأن الكوميديا السوداء لا تكتمل إلا بالتفاصيل، فإن الإنارة العمومية تبدو وكأنها في حداد دائم، خافتة إلى حد البكاء، تاركة المجال للظلام كي يمدّ سيطرته ويمنح هذه المشاهد طابعًا أكثر سوداوية. أما الأزبال، فهي لا تحتاج إلى تعليق، منتشرة في كل الجنبات وكأنها جزء من الهوية البصرية الجديدة، في حين ترسم الحفر لوحات فنية عنوانها “البؤس الحضري المعاصر”.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالتشوير الطرقي بدوره يدخل على الخط ليضيف لمسة من العبث؛ إشارات باهتة، خطوط متلاشية، وفوضى تجعل “العناق” بين الراجلين والسائقين أمرًا يوميًا، ليس من باب الحميمية، بل من باب النجاة من الاصطدام.
في الليل، يبدأ الشارع في البوح الحقيقي. تسقط الأقنعة، ويعلو صوت الضجيج، وتتحول الليالي إلى كرنفال من الفوضى. السائح، الذي جاء باحثًا عن سحر المدينة العتيقة وروحها العلمية، يجد نفسه محاصرًا بالخوف، مترددًا حتى في الخروج إلى بقالة قريبة. بين المتسولين والمتربصين وبائعات الهوى، تصبح فكرة “الإقامة الطويلة” نكتة ثقيلة الظل.
وفي الجهة الأخرى، يطلّ علينا مناظر بربطة عنق، يتحدث بثقة عن “تجويد القطاع السياحي”، وكأن المشكلة في قلة الندوات لا في فائض الفوضى. هنا تحديدًا تتجلى المفارقة: خطاب رسمي يُحلق عاليًا، وواقع يومي يجرّ المدينة إلى الأسفل.
الأزمة في فاس ليست فقط أزمة بنية تحتية أو تدبير حضري، بل هي أيضًا أزمة سلوك جماعي. حين يتحول التبول على جنبات الأسوار التاريخية إلى مشهد عادي، وحين تُدكّ المساحات الخضراء بلا وعي، وتُنهب حاويات القمامة، فإن الحديث عن “وجهة سياحية عالمية” يصبح أقرب إلى الخيال الأدبي منه إلى التخطيط الواقعي.
فاس، بكل تاريخها وعمقها الحضاري، لا ينقصها الجمال ولا المؤهلات، لكنها تعاني من مفارقة قاسية: مدينة عظيمة تُدار بعقلية صغيرة في تفاصيلها اليومية. ولذلك، قبل أن نسوّق السياحة، علينا أن نسوّق السلوك؛ قبل أن نجمّل الواجهات، علينا أن ننظف العمق.
وإلى أن يحدث ذلك، ستظل فاس — بكل أسف — نقطة عبور مريحة، بدل أن تكون وجهة إقامة مقلقة… أو ربما “مُقلِقة” فعلًا، ولكن لأسباب لا تُكتب في الكتيبات السياحية.



