“قدر الحساء” للروائي الشرقاوي..الصحراء كائن سردي يكشف جوهر الوجود

تحولت أمسية أدبية احتضنها المركز الثقافي أحمد بوكماخ بطنجة إلى فضاء مفتوح للتأمل في الصحراء ككائن سردي حي، وذلك خلال لقاء نقدي خصص لرواية “قدر الحساء” للكاتب المغربي محمد سالم الشرقاوي، التي صدرت عن دار أبي رقراق للنشر سنة 2022، وتشكل الجزء الثاني من ثنائية “السيرة والخلاص” بعد رواية “إمارة البئر”.
اللقاء، الذي شارك فيه عدد من النقاد والباحثين، أبرز كيف استطاع الشرقاوي أن يجعل من الصحراء أكثر من مجرد خلفية جغرافية، بل عنصراً فاعلاً في بناء المعنى وكشف الجوهر الإنساني، من خلال نص يزاوج بين الفلسفة والسرد، وبين الذاكرة والرمز.
الناقد مصطفى الورياغلي، في مداخلة موسومة بـ“تشكيل هوية الصحراء السردية”، اعتبر أن “قدر الحساء” تؤسس لهوية سردية متفردة للصحراء المغربية، انطلاقاً من رؤية تعتبر السرد فعلاً وجودياً لا مجرد حكي. فالصحراء في الرواية، كما يقول، ليست ديكوراً أو خلفية للأحداث، بل كيان مؤثر يطبع الشخصيات واللغة والبنية النصية كلها.
ويرى الورياغلي أن الشرقاوي ينسج هوية سردية متحركة، متجذرة في الماضي، نابضة في الحاضر، ومنفتحة على المستقبل، عبر توثيق خصوصية الصحراء الثقافية والاجتماعية، واستحضار الذاكرة الجماعية من خلال الأمثال والأشعار والمرويات الشعبية التي تحفظ الوجدان الجمعي وتعيد إنتاجه فنياً.

أما الناقد محمد بوجنان فاختار مقاربة فلسفية للرواية، مستعيناً بمفهوم “الطي” (Le pli) للفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، ليقرأ الصحراء في “قدر الحساء” كفضاء يطوي ويكشف في آن واحد. فكل ما يبدو قاحلاً في هذا الامتداد الرملي يخفي خصوبة باطنية، وكل ما يختفي تحت الرمال يحتفظ بالحياة.
ويشير بوجنان إلى أن الشرقاوي يقدّم الصحراء كـ“آلة للطي”، حيث تتقاطع الرموز والمعاني بين الظاهر والخفي، بين القحط والخصب، وبين الرياح التي تحمل الخير والشر معاً. ويبرز في هذا السياق حضور “البئر” كتيمة مركزية تربط بين السطح والعمق، بين المادي والروحي، لتصبح رمزاً للقداسة في الثقافة الصحراوية.

من جانبه، أكد الكاتب محمد سالم الشرقاوي أن مشروعه الأدبي ينطلق من قناعة بضرورة إعادة الاعتبار لأدب الصحراء كرافد من روافد الهوية المغربية المتعددة. وقال إن انشغاله بهذا الفضاء ليس مجرد اختيار جمالي، بل موقف ثقافي يروم نقل عوالم الصحراء المغربية إلى الأجيال الجديدة، وتشجيع الباحثين على استكشاف امتدادات المغرب جنوباً، في تفاعل مع فضاءات موريتانيا وجنوب الجزائر وشمال مالي.
وأضاف الشرقاوي أن أدب الصحراء، بما يحمله من قيم ومعارف، يشكل جسراً بين الأصالة والمعاصرة، ويسهم في إثراء المشهد الأدبي الوطني بتعدد الأصوات والرؤى.
الأمسية، التي تخللتها لوحات فنية للفنان محمد اللوباني، جمعت بين الكلمة والصورة في حوار فني حول الإنسان والمكان. وقدّم اللوباني في معرضه، الذي يستمر إلى غاية 30 أبريل، مشاهد من الحياة اليومية في طنجة ووجوهاً إنسانية تنبض بالضوء والذاكرة.
بهذا اللقاء، أكدت “قدر الحساء” مكانتها كعمل أدبي يفتح أفقاً جديداً في السرد المغربي، حيث تتحول الصحراء من فضاء جغرافي إلى كيان رمزي، ومن خلفية للأحداث إلى مرآة للوجود الإنساني في أعمق تجلياته



