Hot eventsأخبارأخبار سريعةعين العقل

رصد لشخصية “جورجيا ميلوني Giorgia Meloni”

بقلم: مولاي الحسن بن سيدي علي

ليس غريبًا أن نجد في تاريخ الشعوب شخصياتٍ عامة خرجت من رحم المعاناة، وشقّت طريقها بين صخور الفقر وقسوة العيش، حيث كانت اللقمة تستعصي على بطون أهلها، ويتقاسم أفراد الأسرة الألم كما يتقاسمون كسرة الخبز. في تلك البيئات القاسية يولد الأمل أحيانًا أكثر صلابة، وتنبثق الإرادة من بين أنياب الحرمان. فينزل أصحابها إلى الشارع، يختلطون بالناس، ويشمّرون عن سواعدهم، يمتهنون أعمالًا شتى، لا طلبًا للترف بل بحثًا عن لقيماتٍ تسد الرمق في زمنٍ عصيب.
غير أن بعض هؤلاء لا يقفون عند حدود النجاة من الفقر، بل يحملون معهم جمر التجربة في قلوبهم، فيصنعون منه نورًا يضيء طريقهم نحو المسؤولية العامة. فيتدرّجون في الحياة العامة بعزيمةٍ وإصرار حتى يبلغوا مواقع القرار في أجهزة الدولة، لكنهم ـ رغم ذلك ـ لا ينسلخون عن ماضيهم، ولا يتنكرون للبيئات التي خرجوا منها. يظلّون قريبين من الناس، يصغون إلى نبض الشارع الذي عرفوه يومًا، فلا يلهيهم بريق المنصب عن معاناة المواطن، ولا تعميهم سلطة القرار عن آهات البسطاء.
ومن بين هذه النماذج تبرز شخصية رئيسة الحكومة الإيطالية Giorgia Meloni، التي تعدّ في نظر كثيرين من بنات الشعب الإيطالي. فقد بدأت حياتها من ظروف بسيطة، ولم يكن طريقها معبّدًا بالامتيازات أو الألقاب الأكاديمية الرفيعة، لكنها آمنت بقدرتها على شق طريقها في الحياة العامة. ومن خلال احتكاكها المباشر بالمجتمع ونشاطها السياسي المبكر، استطاعت أن تتحول تدريجيًا إلى صوتٍ سياسي مسموع، حتى بلغت أعلى هرم السلطة التنفيذية في بلدها.
ولعل ما يلفت الانتباه في مسارها ليس فقط وصولها إلى المنصب، بل قدرتها على الاحتفاظ بصورة القريبة من الناس، المدافعة عن مصالح بلدها في المحافل الدولية، والمتحدثة باسم فئات واسعة تشعر أنها تجد في خطابها صدىً لمطالبها.
إن الإعجاب بمثل هذه النماذج لا ينبع من الانبهار بالأشخاص بقدر ما هو تقديرٌ لفكرةٍ جوهرية: أن المسؤول الحقيقي هو من لا ينسى الطريق الذي جاء منه. فالمناصب، مهما علت، لا ينبغي أن تكون جسرًا للانفصال عن الناس، بل مسؤوليةً مضاعفة تجاههم.
ومن هنا يتسلل إلى الذهن سؤالٌ مؤلم في عالمنا العربي والإفريقي: لماذا نادرًا ما نرى المسؤول الذي يحمل ذاكرة الفقر معه إلى كرسي السلطة؟ لماذا يتحول بعض من صعدوا على أكتاف المواطنين إلى طبقةٍ بعيدةٍ عنهم، تنسى آلامهم، وتثقل كاهلهم بالضرائب والزيادات، حتى تضعف قدرتهم الشرائية وتضيق سبل عيشهم؟
إن الشعوب لا تطلب المستحيل من حكامها، بل تنتظر منهم فقط أن يتذكروا من أين أتوا، وأن يظلوا أوفياء لمن منحهم ثقته وصوته. فالمسؤول الذي ينسى ماضيه يفقد جزءًا من شرعيته الأخلاقية، بينما الذي يحمله في قلبه يظل أقرب إلى الناس مهما ارتفع موقعه.
ولعل المفارقة التي يرددها البعض بمرارة تكمن في القول: إن شخصية واحدة من طراز ميلوني قد تُربك ألف مسؤول عندنا، بينما قد لا يبلغ أثر ألف مسؤول منتخب منا وزن مسؤول واحد هناك واسأل صاحب الحمامة او العباءة فعندهما الاحصاء الدقيق. وليس في ذلك انتقاص من أحد، بقدر ما هو دعوة صادقة إلى مراجعة الذات، وإلى إعادة الاعتبار لفكرة الخدمة العامة بوصفها عهدًا مع الشعب، لا امتيازًا فوقه.
فالمسؤولية، في نهاية الأمر، ليست سلطةً تُمارس من أعلى، بل أمانةٌ تبدأ من ذاكرة الألم، وتنتهي عند كرامة الإنسان.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button