Hot eventsأخبارالمرأةمجتمع

الطلاق معمل الأزمات

بقلم: احيزون سميرة-أخصائية اجتماعية

الحديث عن موضوع الطلاق وتفكيكه، ليس بالسهولة المعروفة أبدا فهو متشعب ومعقد جدا، لأنه يمس أحد أهم بنيات المجتمع، و هي الأسرة الخلية الاولى و الأساسية له، فضلا على أنه يؤدي لزعزة استقرار أفراد الأسرة، فإنه يمكن أن تهضم معه الحقوق و تختل الواجبات.

و نتيجة ذلك يدفع الأبناء بالدرجة الأولى، ثمن هذا الإنفصال و ماجعلهم أول متضرر، هو كونهم ضحايا غير مشاركين في القرار، و لم يختاروا أبوين منفصلين فيواجهون أحاسيس مختلفة، كالحزن ، الضياع، الحيرة ، الفراغ والتشتت، أيضا الزوجين أو الطليقين يكابدون نتائج القرار و هم محملين بمشاعر الفشل،الضغط، الأسى، نظرة المجتمع… على ألا يفوتني أن أذكر، بأنه يمكن أن يعيشوا نفس الأحاسيس حتى داخل العلاقة الزوجية، و حديثنا اليوم عن الطلاق كأزمة تضرب الأسرة في العمق، لا يلغي معه أبدا فكرة أن حل ميثاق الزوجية، في بعض الحالات يكون فعلا حلا منقذا و مناسبا لمجموعة من الأسر.

ومعروف أن مسألة الطلاق، تتداخل فيها عدة عوامل منها الخفية والظاهرة، لن أخوض في الأسباب المباشرة بالتفصيل الممل،لأن هناك مجموعة من المقالات ناقشت الموضوع من هاته الزوايا، لكن سأحاول وضع الخطوط العريضة حول الموضوع من خلال:

التغيرات الاجتماعية، و التي ساهمت بشكل مباشر في المسالة، وهنا نتحدث عن ذلك الانتقال المفاجئ من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث، حيث جرى تكسير مجموعة من القواعد و البنيات المجتمعية المعمول بها.

أيضا انتشار قيم الفردانية والاستقلالية بنموذجها السلبي، فشجعت الفرد على عدم اعتماده التبادل والتكامل في العلاقة الزوجية مع الشريك، أيضا كان لانتشار الحركات النسوية والذكورية، أثرا في بث أفكار شاذة، وغير صالحة لبناء الأسرة ناهيك عن الانتقال من اعتبار العلاقة الزوجية قائمة على المودة و الحب و الرحمة، الى علاقة قائمة على الندية و الصراع، كما يساهم عدم الاعداد الكافي للزوجين، قبل دخول هاته المؤسسة في تزايد حالات الطلاق.

و هناك أيضا الجهل بالواجبات و المسؤوليات، التي يجب على الطرفين الالتزام بها، فكل منهما يأتي محملا بأفكار و توقعات مثالية، قد لا تتوفر بالضرورة في الشريك مما يخرق سقف التوقعات لدى الطرفين، و يحدث حالة من الإحباط لديهم، أيضا مسألة التأثر بالتجارب السابقة، لبعض الزيجات سواء في العائلة و الأصدقاء و المعارف، مما يجعل العلاقة الزوجية الجديدة، امتداد لتجارب سابقة نظرا لفقدان بوصلة الطريق، و القدرة على خلق نموذج يليق و يتناسب و الزوجين.

كما أسطر بالخط العريض، على نقطة مهمة و هي التراكمات، و أقصد بها تلك المشاعر السلبية التي تجمعت، و المشاكل التي جرى وضعها جانبا و إهمالها دون نقاش، أو تفسير أو إيجاد حلول مرضية لها، و غالبا ما نشهد حدوث الطلاق لسبب تافه، لكن حدوثه في الأصل كان نتيجة لتلك التراكمات السابقة التي لم تعالج.

التغيرات الاقتصادية، و هو تحدي يواجه مجموعة من الأسر، في ظل التضخم و غلاء المعيشة و البطالة ، مما يزيد من الضغوط المالية و الديون، و هو ما يخلق توترا علائقيا، و يضاعف من حدة الخلافات، هناك أيضا جانب آخر يتعلق بإشكالية التدبير المالي بين الزوجين العاملين، خصوصا عندما تكون الزوجة أيضا عاملة أو موظفة ، و هو ما يجر معه سيل من الإشكاليات في هذا الإطار، حيث أن بعض الأزواج يطالبون زوجاتهم بتقاسم النفقات المنزلية، و يعزون ذلك لكونها شريك يذر دخلا شهريا أيضا، و عمل الزوجة يأخذ من وقت الأسرة ككل، و يجب تعويضه بالمساهمة في الإنفاق، الشيء الذي لا تتقبله الزوجات عادة، و كما أشرت سابقا فنحن مجتمعات تقليدية الأصل و التفكير، لكن تفاجأت بحداثتها الإنتقائية نوعا ما ، مما يصعب المعادلة خصوصا في الجانب المادي، و هو جانب حساس و في نظر الرجل امتناع المرأة عن المشاركة في المصاريف ، لمواجهة أعباء الحياة، هو استغلال و أنانية منها، و في نظر المرأة مطالبتها بذلك فيه نوع من الطمع، و الإستغلال و انتقاص من رجولة الزوج، وهو تنازل مباشر عن دوره الأصيل أيضا، مما صعد من حدة هذا المشكل مؤخرا، و ساهم في حدوث الطلاق .

التغيرات الثقافية، ساهم فيها بشكل مباشر وسائل الاعلام العالمية، و التأثيرات الثقافية الخارجية، بالإضافة إلى حضور بصمة السوشال ميديا، و التسويق لنموذج أسري يتنافى و الواقع، مما أدى الى تغيير القيم المرتبطة بقداسة رابطة الزواج، مع تسجيل غياب مواد و برامج تطرح و تناقش هاته المشاكل بعقلنة.

التغيرات النفسية، و يأتي في مقدمتها بعض المشاكل و الاضطرابات كالإكتئاب،القلق الخ بالإضافة الى بعض الحواجز النفسية، تلك المرتبطة بعدم القدرة على التعبير عن المشاعر و تحقيق التواصل السليم، وعدم تقبل الإختلافات في الشخصية،و مراعاة التكوين و الطبيعة النفسية لكل طرف، ناهيك عن الضغوطات المهنية و الحياة اليومية…الشيء الذي يحتاج وعي و تفهم الشريك و مساندته.

التغيرات الجنسية، يمكن أن نسجل معها غياب الحميمية الجسدية،و العاطفية و عدم التوافق الجنسي، مما قد يؤدي إلى عدم الإشباع لدى الطرفين و فتورفي العلاقة الزوجية،علاوة على ذلك يمكن ذكر الإختلاف في الرغبات الجنسية، و مشاكل في الأداء الجنسي، و كل هذا يأتي نظرا لغياب جرأة التواصل و مناقشة الموضوع، فهي أمور مسكوت عنها، و كثيرا ما يحاول الأطراف طرحها على المعارف و الأصدقاء، بدلا من الحديث فيها مع المعني بالأمر(الزوج/ الزوجة) أو المختصين بشكل مباشر، و هذا راجع للحواجز التي شيدت لدى الطرفين خلال التنشئة الإجتماعية.

أمام هذا التحدي المعقد، لا بد من نهج مقاربات تهدف للوصول إلى بر الأمان بالأسرة، فالمجازفة بهاته البنية و عدم الإكثرات بما يهددها، هو مجازفة بالمجتمع بأكمله.

و لأجل ذلك، لا تكفينا معالجة الموضوع اعتمادا على المقاربة القانونية فحسب، بل يجب تبني مقاربات إجتماعية نفسية وتأهيلية، إما من داخل المؤسسة القضائية نفسها، أو من خارجها كآلية استباقية، كمثال على ذلك مسطرة الصلح أو الوساطة، وهي تقنية جد مهمة، لكن يجب أن تمارس بالشكل الصحيح من لدن متخصصين، و يتم منحها الوقت اللازم،لانها ليست عملية سهلة بل تتطلب جهدا ووقتا مضاعفا، زائد أن هذا التدخل يجب مباشرته قبل البدء في إجراءات الطلاق كعملية سابقة، للإجراءات و ملزمة للجميع ، و بالتالي تعفي القضاء من التقيد بآجال البث في قضايا الطلاق، و تعطي للمتخصص فرصة أخذ وقته الكافي، و للزوجين أيضا إمكانية التراجع، مما يمكن أن يجنبنا فتح ملفات إضافية، لها ارتباط بالطلاق كالحضانة و النفقة التي تثقل كاهل القضاء، و تترتب عنها مجموعة من الآثار الإجتماعية.

هناك أيضا عملية جد مهمة، يجب الوقوف عندها و تنزيلها، و هي التأطير و التكوين القبلي، و هي خطوة جد مهمة لإعداد المقبلين على الزواج، و تثقيفهم حول الحياة الزوجية، و تمكينهم من التواصل الناجع،و كيفية إدارة النزاع أو الخلاف، أيضا اكتساب ثقافة التدبير المالي بين الزوجين، مما يمكن معه إعطاء نظرة قبلية،تتسم بالشمولية والواقعية للزوجين حول هاته المؤسسة، بهدف بناء أساس قوي لحياتهم.

هذا من جهة و من جهة، أخرى يبقى دور الدولة الاجتماعية و تدخلها في حياة الأسردعامة أساسية، من خلال السياسات و البرامج التي تهدف إلى دعمها، و تحسين مستوى عيشها و تمكينها من الولوج إلى المرافق و المؤسسات العمومية، بسلاسة ضمانا لتعزيز الاستقرار الاجتماعي.

في النهاية تبقى تدخلات يجب النظر إليها بعين الثقة و الإرادة ،من أجل تنزيلها في مواجهة معظلة خطيرة تمس الأسرة، فالمقاربة القانونية لوحدها لم تعد كافية، و بالتالي وجب التفكير الصريح و الهادف لإنقاذ ما تبقى من هذه المؤسسة الاجتماعية، المعرضة للإختراق و تجريدها من دورها السامي.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button