ألفة”التمغربيت”..درس للإنسانية

أثار انتباهي ما ركز عليه الباحث والمؤرخ الدكتور عبد الله بوصوف وهو يوقع أمس الجمعة بالرباط كتابيه “إمارة المومنين” و”تمغربيت ” في عرضه لمضامين كتابيه المميزين اللذان يطرحان أسئلة الحاضر بحثا عن حلول للمستقبل في ظل ما تعيشه البشرية من تعقيدات فرضتها العصرنة والانفتاح الكلي التي يسرته الرقمنة المعاصرة.
انتباه دفعني إلى إثراء النقاش مع ثلة من الحضور المتميز من المفكرين والباحثين والمهتمين حول هذه النقظة بالذات المتعلقة بمصطلح “الألفة “المغربية وارتباطها بالمصطلحات الحديثة “العيش المشترك”، “التسامح” و”التعايش”.
وهي مصطلحات حاول الغرب وتماهى معه العديد من الباحثين والمنظرين على الصعيد العالمي ، حاول، أن يعتمدها قيمٌا مستحدثة أو مكتشفات فكرية معاصرة، المفروض الايمان بها والعمل بها في المجتمعات التي تشهد صراعات إثنية وطائفية، إلا أنه لا يمكن إسقاط هذه المصطلحات على الهوية المغربية أو على “تمغربيت”، ذلك أن المتأمل في التاريخ المغربي بالأساس، يدرك أن هذه المفاهيم ليست سوى امتدادٍ طبيعي لروحٍ ضاربةٍ في عمق الهوية الحضارية للمغاربة، روحٍ “الألفة” التي تمتح جوهرها مما جبل عليه المسلمون في المغرب الأقصى روحها من قيم حضارة الأمبراطورية المغربية الممتدة نحو أكثر من 12 قرنا، والتي طبعت جوهر الشخصية المغربية. والتي يعبر عنها في اللهجة المحلية المغربية ب “المغاربة ولافين”.
في كتابه “تمغربيت”، يسلط الدكتور عبد الله بوصوف الضوء على هذا البعد العميق من الهوية المغربية، مؤكداً أن “الألفة” ليست مجرد قيمة اجتماعية، بل هي جوهر “التمغربيت” نفسها. فالمغربي، كما يوضح المؤرخ بوصوف، كائنٌ منفتح بطبعه، متصالح مع ذاته ومع الآخر، يعيش تنوعه لا كتناقضٍ بل كغنى حضاري.
يشير الباحث بوصوف إلى أن التعايش في المغرب لم يكن نتيجة ضغوطٍ خارجية أو تحولاتٍ سياسية، بل ثمرة تراكمٍ تاريخيٍ وثقافيٍ جعل من الألفة قاعدةً للعيش المشترك. فـ”التمغربيت”، في جوهرها، هي فلسفة قبولٍ وتفاعلٍ وتوازنٍ بين المكونات المختلفة، وهي التي حفظت للمغرب استقراره ووحدته رغم تعدد روافده الثقافية والدينية.
الألفة ليست مجرد ميلٍ إلى الآخر أو قبولٍ للاختلاف، بل هي نمط حياةٍ تشكل عبر قرونٍ من التفاعل الإنساني والثقافي والديني. في المغرب، لم تكن الألفة شعاراً يُرفع، بل ممارسةً يوميةً تتجلى في الأسواق، في الأحياء القديمة، في المواسم الدينية، وفي العلاقات بين الأسر المسلمة واليهودية والمسيحية.
لقد عاش المغاربة منذ أكثر من اثني عشر قرناً في نسيجٍ اجتماعيٍ متداخل، حيث لم يكن الانتماء الديني أو العرقي حاجزاً، بل كان تنوعاً يُغني الهوية الجماعية. فاليهود المغاربة كانوا جزءاً من الحياة الاقتصادية والثقافية، والمسيحيون وجدوا في المغرب أرضاً آمنة، والأمازيغ والعرب انصهروا في وحدةٍ حضاريةٍ متماسكة.
حين يتحدث العالم اليوم عن “التسامح” و”العيش المشترك”، فإن المغرب يقدم نموذجاً عملياً يسبق التنظير. فالتسامح في التجربة المغربية ليس تنازلاً ولا مجاملة، بل هو امتدادٌ طبيعي للألفة التي جبل عليها المجتمع المغربي. هذه الألفة جعلت المغاربة يتعاملون مع الاختلاف بوصفه ثراءً وغنى للتنوع الاثني والتراثي، لا تهديداً، ومع الآخر بوصفه شريكاً لا خصماً. لذلك، حين تبنت الدولة المغربية في العقود الأخيرة خطاب التعايش والانفتاح، لم يكن ذلك قطيعةً مع الماضي، بل استمراريةً لجذرٍ قديمٍ في تربةٍ حضارية خصبةٍ بالإنسانية.
الألفة المغربية ليست فقط قيمة اجتماعية، بل هي ركيزة حضارية أسهمت في بناء نموذجٍ فريدٍ من التوازن بين الأصالة والانفتاح. فهي التي سمحت للمغرب بأن يكون جسراً بين إفريقيا وأوروبا، وبين الشرق والغرب، وبين الإسلام والإنسانية.
ولعل سرّ هذا التوازن يكمن في أن الألفة المغربية ليست مفروضةً من سلطةٍ أو مؤسسة، بل نابعةٌ من ضميرٍ جمعيٍ تشكل عبر قرونٍ من التفاعل والتجربة، كما يؤكد بوصوف في تحليله لروح “التمغربيت” التي تجعل من الإنسان المغربي وسيطاً حضارياً بطبعه.
في عالمٍ يبحث اليوم عن صيغٍ جديدةٍ للتعايش مع تصاعد النزاعات والهويات المغلقة، يقدم المغرب درساً بليغاً يؤكد أن الألفة ليست شعاراً يُرفع في المؤتمرات، والملتقيات بل سلوكٌ متجذرٌ في الوجدان.
فإذا كانت الحداثة اليوم تتحدث عن “التسامح” و”العيش المشترك”، فإن المغرب عاشهما منذ قرونٍ من خلال سلاسة وتلقائية الاندماع والفهم المشترك للحياة الذي يمتح توابله المغربية من روح الألفة المغربية بتلاوين إثنياتها وتراثها، تلك الألفة التي جعلت من “التمغربيت” فلسفةً للإنسانية قبل أن تكون هويةً وطن.



