أحكام القضاء تنتهي… وأحكام الناس لا تنتهي

زهير أصدور- الرباط
هناك محاكم تصدر أحكامها باسم القانون، وهناك محاكم أخرى لا مقر لها ولا قضاة ولا مساطر ولا سجلات، لكنها أشد نفاذا وأطول عمرا وأوسع انتشارا. إنها محكمة الناس. تلك المحكمة التي تنعقد في المجالس والمقاهي والأسواق والطرقات، وتصدر أحكامها في كلمة عابرة أو لقب ساخر أو نظرة ازدراء، ثم تمضي آثارها في حياة الناس كما تمضي النار في الهشيم.
فالقانون، مهما كان صارما، يضع للعقوبة بداية ونهاية، ويقيدها بنصوص وإجراءات وضمانات، ويعترف بالتقادم، ويمنح في حالات كثيرة إمكان رد الاعتبار وفتح صفحة جديدة. القانون، في جوهره، يؤمن بأن الإنسان ليس خطأه الوحيد، وأن الفرد قد يزل ثم يستقيم، وقد يسقط ثم ينهض، وقد يسيء في مرحلة ثم يتغير في مرحلة أخرى. لذلك جعل المشرع للعقوبة آجالا، وجعل للذاكرة القضائية حدودا، حتى لا يتحول الماضي إلى سجن أبدي.
أما المجتمع، حين يطلق حكمه، فإنه لا يعترف كثيرا لا بالتقادم ولا بالنسيان. الكلمة التي تخرج من الأفواه قد تتحول إلى ختم دائم، واللقب الذي يولد في لحظة غضب أو سخرية قد يعيش أكثر من صاحبه نفسه. قد يسقط المنصب، وتزول السلطة، وتتبدل الأحوال، لكن اللقب الشعبي يبقى حيا، يتنقل من جيل إلى جيل، ويستعاد كلما ذكر الاسم أو مرت الحكاية.
كم من شخص عرفه الناس بلقبه أكثر مما عرفوه باسمه. وكم من مسؤول التصقت به عبارة بسبب زلة عابرة أو قرار سيئ أو فضيحة سياسية، فصارت تلك العبارة عنوانا له، مهما حاول بعدها من إصلاح أو تبرير أو نجاح. فالمجتمع لا يحفظ غالبا تفاصيل الإنجازات كما يحفظ لحظة السقوط، ولا يتداول صفحات الاجتهاد كما يتداول مشهد التعثر.
وقد حكى لي صديق منذ ما يقرب من ثلاثين سنة قصة تختصر هذه الحقيقة ببلاغة شعبية نادرة. قال إن رجلا في إحدى قرى شمال المغرب، كان يعرف بين الناس باسم ولد عيشة، ارتكب في شبابه فعلا مشينا عده أهل الدوار خروجا عن الأخلاق والآداب. وما إن اشتد عليه ضغط النظرات والكلمات حتى غادر البلدة بعيدا، تاركا وراءه اسمه وسيرته وذكرياته. وقيل إنه استقر في مكان آخر، وبدأ حياة جديدة، وبنى لنفسه صورة أخرى لا تعرف ما مضى.
مرت عشرون سنة كاملة. تغيرت وجوه، وكبر أطفال كانوا يلعبون في الأزقة، ومات شيوخ كانوا يحفظون الحكايات، وتعاقبت مواسم الحرث والحصاد، وجاءت أعوام جفاف وأعوام خصب. فظن الرجل أن الزمن قد غسل الأثر، وأن الذاكرة قد ملت القصة، وأن الناس انشغلوا بغيره كما ينشغل العالم كل يوم بأخبار جديدة. اشتاق إلى بلدته، إلى الطريق الترابي، إلى رائحة الحقول، إلى نداءات المساء، إلى كل ما يربط الإنسان بمكانه الأول. وقرر العودة، متخففا من خوفه، متسلحا بفكرة أن عشرين سنة تكفي لكي ينسى الناس.
وحين اقترب من الدوار، لم يجرؤ على الدخول مباشرة. كان قلبه يسبقه ثم يعود. وقف عند الأطراف، ونادى بصوت متردد على نفسه، كأنه يختبر ذاكرة المكان قبل أن يختبر أبوابه. لم تمض لحظات حتى جاءه الجواب من أحد الحقول المجاورة، بصوت حاسم لا تردد فيه: أما ولد عيشة الذي تناديه، فمنذ فعلته لم يرجع إلى هنا.
في تلك اللحظة فهم الرجل كل شيء. أدرك أن الزمن مر عليه، لكنه لم يمر على الحكاية. وأن عشرين سنة من الغياب لم تكن كافية لمحو جملة واحدة من ذاكرة الناس. فهم أن المكان قد يتغير، لكن الرواية تبقى. وأن البيوت قد تجدد أبوابها، لكن الألسن تحتفظ بمفاتيح الماضي. فعاد من حيث أتى، كما تذرو الريح خطوات المترددين.
هذه القصة، وإن بدت طريفة في ظاهرها، تحمل دلالة اجتماعية عميقة. فالعقوبة الاجتماعية قد تكون أقسى من العقوبة القانونية. القاضي يحكم بمدة، أما الناس فيحكمون بذكرى. المحكمة تنطق باسم القانون، أما القرية فتنطق باسم الذاكرة. والحكم القضائي قد يسقط أثره مع الزمن، لكن الحكم الشعبي قد يبقى قائما ما بقي راو يردد الحكاية أو مجلس يعيد سردها أو جيل يتلقاها دون تمحيص.
وفي هذا تكمن خطورة الأحكام العرفية. فهي لا تميز دائما بين الخطأ وصاحبه، ولا بين الفعل وفاعله بعد التوبة أو التغير. إنها تميل إلى اختزال الإنسان في أسوأ لحظة من حياته، وتجعل من سقطة واحدة هوية دائمة. فإذا أخطأ شاب في بداياته، بقي في نظر البعض ذلك الشاب ولو شاب شعره. وإذا تعثر مسؤول مرة، بقي التعثر عنوانه ولو أصلح بعدها كثيرا.
ومن جهة أخرى، تكشف هذه المفارقة أن القانون، رغم ما يوجه إليه من نقد، أكثر رحمة من المزاج العام. لأنه مؤسس على فكرة التوازن بين الزجر والإدماج، بين العقوبة والإصلاح، بين حماية المجتمع وحماية فرصة الفرد في العودة إلى المجتمع. أما الرأي العام، حين ينفلت من العقل والإنصاف، فقد يتحول إلى عقوبة مفتوحة لا أجل لها ولا حدود.
واليوم، مع وسائل التواصل الاجتماعي، صارت محكمة الناس أسرع وأوسع أثرا من أي وقت مضى. لم يعد اللقب يولد في الدوار فقط، بل قد يولد في تعليق أو صورة أو مقطع قصير، ثم ينتشر في ساعات إلى آلاف الناس. ولم تعد الحكاية محصورة في مجلس محدود، بل صارت مؤرشفة وقابلة للاسترجاع كلما كتب الاسم في محرك بحث أو أعيد تداول المنشور. وهكذا أصبح النسيان أصعب، وأصبح رد الاعتبار الاجتماعي أكثر تعقيدا.
لهذا لا يخاف كثيرون من المحكمة بقدر ما يخافون من الفضيحة. ولا يرهبهم الحكم بقدر ما يرهبهم أن يتحولوا إلى مادة للسخرية أو حكاية تتناقلها المجالس والمنصات. فالعقوبة القانونية قد تنتهي بمرور المدة، أما العقوبة الرمزية فقد تبدأ بعد انتهائها.
إن المجتمعات الناضجة لا تلغي الذاكرة، لكنها تهذبها. ولا تتسامح مع الخطأ، لكنها تفتح باب المراجعة. ولا تبرئ المسيء بلا حساب، لكنها لا تحكم عليه بالسجن الأبدي داخل صورته القديمة. فالإنسان أكبر من زلته، وأوسع من لحظة سقوطه، وأقدر على التغير مما نظن.
أما أحكام القضاء فتنتهي يوما، لكن أحكام الناس قد تبدأ يومها فقط. وهنا تبدو العدالة، في كثير من الأحيان، أرحم من الذاكرة، ويبدو القانون أكثر إنسانية من بعض البشر.



