خالد آيت الطالب.. “جراح” التوازنات الكبرى الذي يقود “نهضة فاس”

لا يشبه المسار المهني للبروفيسور خالد آيت الطالب المسارات التقليدية لرجال الإدارة الترابية في المغرب. فبينما يعبر الكثيرون من خلال دهاليز الإدارة المركزية لوزارة الداخلية، جاء آيت الطالب إلى “ولاية جهة فاس-مكناس” من قاعة العمليات الجراحية ومن منصة وزارة الصحة والحماية الاجتماعية. هو الرجل الذي يزاوج اليوم بين دقة الجراح في التشخيص، وصرامة الوزير في التنفيذ، ليواجه تحديات جهة تُعد القلب النابض للتاريخ المغربي.
من مدرجات العلم إلى ريادة الرقمنة
وُلد خالد آيت الطالب عام 1966، وترعرع في بيئة أكاديمية جعلت منه أستاذاً للتعليم العالي في وقت مبكر. لكن المحطة التي شكلت “مختبره” الأول كانت مدينة فاس، وتحديداً المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني. هناك، لم يكن آيت الطالب مديراً تقليدياً (2004-2019)، بل كان “مهندس تحديث”، حيث أدخل الروبوت الجراحي ورقمنة المسارات العلاجية، في وقت كانت فيه الإدارة العمومية لا تزال تتحسس طريقها نحو التكنولوجيا.

“وزير الأزمات” ومهندس السيادة الصحية
في أكتوبر 2019، ناداه الواجب الحكومي ليتسلم حقيبة الصحة. لم يمهله القدر وقتاً للاستئناس بالمكتب، إذ وجد نفسه في “عين العاصفة” مع تفشي جائحة كوفيد-19. أدار آيت الطالب الأزمة بمنطق “السيادة”، فمن تأمين اللقاحات في سوق دولية مشتعلة، إلى وضع الحجر الأساس لمشروع “ماروك بيو” لتصنيع اللقاحات، وصولاً إلى قيادة الثورة التشريعية لتعميم التغطية الصحية (AMO).

كانت لحظة إعادة تعيينه في 2021، بعد مغادرته المنصب لأسبوع واحد فقط، بمثابة “تزكية ملكية” نادرة لخبرته وتفانيه في تنزيل ورش الدولة الاجتماعية، مما ثبّت صورته كمسؤول تكنوقراطي عابر للتقلبات الحزبية.
والي فاس-مكناس: العودة إلى “القواعد” برؤية 2030
في أكتوبر 2025، عاد آيت الطالب إلى فاس، ليس كبروفيسور جراح هذه المرة، بل كوالٍ لجهة فاس-مكناس. هذه العودة تكتسي أبعاداً استراتيجية عميقة؛ فالرجل الذي يعرف خبايا المدينة وأزقتها العتيقة وتحدياتها السوسيو-اقتصادية، مُطالب اليوم بتحويلها إلى قطب دولي جاهز لاستقبال مونديال 2030.

منذ تنصيبه، لم يكتفِ آيت الطالب بالمكاتب المكيفة، بل شوهد في دروب المدينة القديمة، يتحاور مع الحرفيين، ويتفقد أوراش الملاعب، ويشرف على ملفات النقل الحضري (الباصواي). إن رهانه اليوم هو نقل “عدوى النجاح” من القطاع الصحي إلى المجال الترابي، عبر:
تحفيز الاستثمار: تفعيل منطقة “عين الشكاك” لتصبح رئة اقتصادية للجهة.
العدالة المجالية: ربط الأقاليم الجبلية (تاونات، تازة) بالدينامية الجهوية.
الأمن المائي: تدبير ندرة المياه في جهة فلاحية بامتياز.
البروفيسور.. المنهج والنتيجة
يُعرف عن آيت الطالب أنه رجل “العمل بصمت”. يعتمد منهجه على البيانات (Data) كبوصلة للقرار. يرى المحللون أن تعيينه والياً هو رسالة مفادها أن المرحلة تتطلب “إدارة بالنتائج”، حيث تصبح المسؤولية مرتبطة بالمحاسبة، وحيث يصبح “مبضع الجراح” ضرورياً لاستئصال البيروقراطية وتعطيل المشاريع.

خالد آيت الطالب ليس مجرد مسؤول إداري، بل هو تجسيد للجيل الجديد من الكفاءات الوطنية التي تضع الخبرة العلمية في خدمة الطموح السياسي للدولة. بين فاس الأمس وفاس 2030، يقف البروفيسور والياً، جراحاً ومخططاً، في مهمة وطنية عنوانها الأبرز: “مغرب الصعود”.



