Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

فاس على حافة الألم: حين يتحول الصمت إلى عنف


بقلم: الحسن سنداني
ليست الأرقام وحدها ما يثير القلق، بل الإحساس الثقيل الذي يخيم على المدينة. في ظرف يومين فقط، ثلاث حالات قتل، وسلسلة من محاولات الانتحار في صفوف شباب فاس… وكأننا أمام جيل يختنق بصمت، ثم ينفجر إما في وجه نفسه أو في وجه غيره.
السؤال لم يعد: ماذا يحدث؟
بل: لماذا وصلنا إلى هذا الحد؟
الجواب، رغم مرارته، ليس معقدًا كما يحاول البعض تصويره. نحن أمام خليط خطير من البطالة، والمخدرات، والهشاشة الاجتماعية، وسوء تدبير التنمية. أحياء كاملة تُركت لتدبر مصيرها في العزلة، بلا أفق، بلا تأطير، بلا فرص حقيقية للاندماج. شباب يحمل طاقة هائلة، لكن بلا قنوات لتصريفها، فيتحول جزء منها إلى عنف، والجزء الآخر إلى انهيار داخلي.
حين يُغلق باب الشغل، يُفتح باب الانحراف.
وحين يغيب الأمل، يصبح الموت خيارًا مطروحًا، ولو كان مأساويًا.
المخدرات لم تعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبحت اقتصادًا موازياً قائماً بذاته، يتغذى على اليأس، ويعيد إنتاجه. الأخطر من ذلك أن أوكار الترويج لم تعد خفية، بل معروفة لدى العامة، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول نجاعة التدخلات الأمنية، وحول مدى جدية الحرب على هذه الشبكات التي تفتك بعقول الشباب قبل أجسادهم.
أما عن الجانب النفسي، فهو الجرح الصامت الذي لا يُرى. شباب يعاني من الاكتئاب، القلق، فقدان المعنى… دون مواكبة، دون إنصات، دون مؤسسات قريبة منه تفهمه. نحن لا نربي فقط جيلاً مهمشًا، بل جيلاً مكسورًا من الداخل.
المسؤولية هنا جماعية، لكنها ليست متساوية.
هناك مسؤولية واضحة على صناع القرار الذين فشلوا في تحويل الشعارات إلى فرص حقيقية. أين هي برامج الإدماج؟ أين هي فضاءات الشباب؟ أين هي السياسات التي تجعل من الشاب فاعلاً لا عبئًا؟
وهناك أيضًا مسؤولية على القضاء، الذي يجب أن يكون حازمًا في مواجهة كل من يعبث بأمن المجتمع، خاصة مروجي المخدرات الذين يحولون الأحياء إلى بؤر توتر دائمة. الردع هنا ليس خيارًا، بل ضرورة.
كما أن الأجهزة الأمنية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتحرك الاستباقي، لا الانتظار إلى ما بعد وقوع الكارثة. لأن الأمن الحقيقي لا يقاس بعدد التدخلات، بل بمدى القدرة على منع الجريمة قبل حدوثها.
لكن، في العمق، لا يمكن أن نعالج النتائج دون مواجهة الأسباب.
لا يمكن أن نحارب الجريمة دون أن نحارب التهميش.
ولا يمكن أن نحمي الشباب دون أن نمنحه سببًا ليحب الحياة.
فاس اليوم لا تحتاج فقط إلى حلول أمنية، بل إلى رؤية إنسانية شاملة تعيد الاعتبار لشبابها. تحتاج إلى عدالة مجالية، إلى فرص، إلى أمل يُبنى بالفعل لا بالخطاب.
لأن المدينة التي يقتل فيها أبناؤها بعضهم… أو يقتلون أنفسهم…
ليست مدينة تعاني من أزمة أمن،
بل من أزمة معنى.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تفقد أيضا
Close
Back to top button