بحر اليقين.. دروس من رحلة الحكمة والخفاء

بقلم : ديمة الشريف – السعودية
في رحاب سورة الكهف تطل علينا قصة الخضر مع موسى -عليهما السلام- كفصلٍ مهيب من فصول التربية الإلهية للروح البشرية.
هي رحلة لم تكن لقطع المسافات، بل لقطع الشك باليقين، ولفهم أن هذا الكون لا يُدار بظواهر الأمور، بل بحقائقها التي استأثر الله بعلمها.
صدام المنطق والبصيرة
حين انطلق “كليم الله” موسى وراء العبد الصالح، كان يحمل معه ميزان البشر الذي يزن الأمور بمكاييل “السبب والنتيجة”.
حين انطلق “كليم الله” موسى وراء العبد الصالح، كان يحمل معه ميزان البشر الذي يزن الأمور بمكاييل “السبب والنتيجة”.
أما الخضر، فكان يتحرك بنور البصيرة التي وهبه الله إياها (وعلمناه من لدنا علماً). هنا، وقع الصدام بين منطق المشاهدة الذي يرى الفعل، ومنطق الغيب الذي يدرك المآل.
خَرق السفينة: حماية في صورة أذى
تمتد يد الخضر لتنزع لوحاً من سفينةِ مساكين، فيبدو المشهد في عيني موسى “إمراً” (منكراً عظيماً). لكن، خلف هذا الضرر اليسير، كانت تختبئ نجاةٌ كبرى.
لقد كان “العيب” في السفينة هو “درعها” الحصين ضد غصب المَلِك الظالم.
فكم من “خَرقٍ” في حياتنا، من فقدان وظيفة أو تعثر في سفر، كان هو الجدار الذي منع عنا كارثةً أكبر! إن الله يكسر فينا شيئاً ليجبر فينا أشياء.
رحيل الغلام: شتاءٌ يمهّد للربيع
ثم نأتي للموقف الأشد وطأة؛ رحيل غلامٍ في مقتبل العمر. هذا المشهد يمثل قمة الاختبار للرضا بالقضاء. فالإنسان بطبعه يرى الموت نهاية، لكن الله أراد أن يرينا أنه قد يكون “بداية” لرحمةٍ أوسع. انتزع الله الغلام رحمةً بوالديه المؤمنين، لئلا يرهقهما طغيانه وكفره. إنه درسٌ بليغ في أن “المنع” هو عين “العطاء”، وأن فجائع الأقدار قد تكون طهارةً للمستقبل، وحمايةً للآخرة التي هي أبقى.
إقامة الجدار: الوفاء الممتد عبر الزمن
وفي القرية التي ضاقت بكرمها، أقام الخضر جداراً يتداعى. هنا نلمسُ بركة الصلاح العابرة للأجيال. (وكان أبوهما صالحاً)؛ جملةٌ تختصر فلسفة الرعاية الإلهية. لقد سخر الله نبيين لبناء جدارٍ من أجل يتيمين، وفاءً لتقوى والدٍ قد رحل. إن الله لا يضيع أجر المحسنين، حتى وإن بدا أن المعروف قد ضاع في زحام لؤم الناس، فقدر الله يحرسُ حقوق الضعفاء خلف جدرانٍ يبنيها له من حيث لا يحتسبون.
الخاتمة: الاستسلام لرب الأسباب
إن قصة الخضر تخبرنا بوضوح: أنت لا ترى الصورة كاملة. نحن نرى قطعة واحدة من “فسيفساء” القدر ونظنها قبيحة، بينما هي في سياق اللوحة الكلية غاية في الجمال والإحكام. إن الرضا ليس مجرد كلمة تقال، بل هو يقينٌ بأن يد الله التي تدبر هذا الكون أرحم بك من يدك على نفسك.فسلامٌ على كل “خَرقٍ” في سفن حياتنا لولاه لغرقنا، وسلامٌ على كل جدارٍ بنيناه لغيرنا فبنى الله لنا به قصراً في الجنة .



