بين رفوف المكتبات التي غطاها الغبار، وفي زوايا البيوت التي أرهقتها ضوضاء المادة

بقلم : ديمة الشريف – السعودية
تقبع المصاحف أحياناً كنوزٍ مهجورة، تنتظر يداً تمتد إليها بشوق، وقلباً يفتح أقفاله ليدخل النور. “انفض الغبار عن مصحفك” ليست مجرد دعوة لتنظيف الغلاف، بل هي دعوة لغسل الروح، واستعادة الاتصال بحبل السماء الذي لا ينقطع.
القرآن.. واحة التائه في صحراء الوجود
نعيش اليوم في عصر “الضجيج المستمر”؛ أخبارٌ تتلاحق، وصراعات لا تنتهي، ومطالب مادية تلتهم هدوءنا. في هذا التيه، تأتي آيات القرآن الكريم كأنها الواحة التي يلجأ إليها المسافر المنهك. حين تفتح مصحفك، أنت لا تقرأ نصاً عادياً، بل تدخل في حضرة “كلام الخالق”.
هنا يتوقف الزمن قليلاً، وتتضاءل مشاكل الدنيا التي كنا نظنها جبالاً، لتصبح في عين المؤمن مجرد سحابة صيف عابرة.
ربيع القلوب وجلاء الأحزان
يقولون إن لكل داء دواء، والقرآن هو “الترياق” الذي يعالج أدواء النفوس من قلق، وحيرة، وانكسار. هو “الرفيق” الذي لا يملك إلا أن يمنحك الطمأنينة.هل شعرت يوماً بضيقٍ في صدرك، فقرأت آية فكأنما انزاح عن قلبك جبل؟ هذا هو مفعول “الورد اليومي”؛ إنه ليس واجباً نؤديه لننتهي منه، بل هو شحنة سماوية تمدنا بالقوة لنواجه مصاعب الحياة بقلب ثابت ووجه مستبشر.
الورد اليومي.. بركة الوقت والروح
إنَّ مَن جعل للقرآن وقتاً في يومه، جعل الله له بركة في عمره. فالدقائق التي تقضيها مع كتاب الله ليست وقتاً ضائعاً، بل هي استثمار في السكينة. هي اللحظات التي “تنفض فيها الغبار” عن بصيرتك، لترى الجمال في الصبر، والرجاء في الانكسار، واليقين في وسط العاصفة. تذكروا دائماً أن القرآن “شفاء لما في الصدور”، والصدور لا تشفى إلا إذا تشرّبت الآيات، وتدبرت المعاني، وعاشت في كنف الرحمن.
نداء المحبين
اجعل من صباحك هذا بداية جديدة؛ ارفع المصحف، قبله بحب، وتلُ آياته بتدبر. لا تجعله زينة فوق الأرفف، بل اجعله ربيعاً في قلبك، ونوراً في دربك. فالذي يقرأ القرآن لا يضل ولا يشقى، والذي يذكره الله في ملأ خير من ملئه، لن يذوق طعم اليأس أبداً.



