حذاري من قول النصيحة في هذا الزمن المخيف

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي
كثيرًا ما تمرّ النصيحة بيننا مرور العابر، فلا نقف عندها تأمّلًا ولا نمنحها حقّها من الفحص والتدبّر. وقد يكون ذلك ناتجًا عن لامبالاة، أو عن جهل بقيمتها، أو لقصور في فهم التخصص الذي تصدر عنه. وفي خضم هذا الجدل، تتباين ردود الأفعال: فمنّا من يستهين بالناصح، ومنّا من يطعن في علمه، بل وقد ينزلق البعض إلى إطلاق أحكام لا تليق بمقام النصيحة ولا بأدب الاختلاف.
وفي هذا السياق، تتجلّى تجربة الدكتور البروفسور ضياء العوضي رحمه الله مثالًا دالًا على صراع الحقيقة مع المصالح. فقد دعا الرجل إلى مراجعة أنماط التغذية السائدة، مبيّنًا ما ينبغي اعتماده وما يُستحسن تجنّبه وفق رؤية علمية. غير أن دعوته لم تلقَ الترحيب المنتظر، بل قوبلت بحملات مضادة من أطراف متضررة، فسعت إلى التشكيك في أطروحاته، بل وإقصائه من موقعه العلمي. ومع ذلك، ظلّ ثابتًا على موقفه، مؤمنًا بأن الكلمة الصادقة لا تُقاس برضا الناس، بل بصدقها ونفعها.
إن هذه الواقعة تفتح باب التساؤل حول علاقتنا بالمعرفة، ومدى استعدادنا لتغيير عاداتنا حين تتعارض مع ما نألفه، حتى وإن ثبت ضررها. كما تطرح إشكالية تأثير المصالح الاقتصادية والاجتماعية في توجيه الرأي العام، وأثر ذلك في إخماد أصوات الإصلاح.
ومن هذا المنطلق، يصبح اختيار نمط غذائي بديل حين التزمتُ مع أسرتي بتجربة منهج غذائي معيّن وهذا —ليس مجرد قرار فردي، بل موقفًا واعيًا يعكس رغبة في التحرر من العادات الاستهلاكية غير المدروسة، والاقتراب من مفهوم “الطيبات” بوصفها اختيارًا صحيًا وأخلاقيًا في آن واحد.
فإن القضية لا تقف عند حدود نوعية الطعام، بل تتجاوزها إلى سؤال أعمق: كيف نتعامل مع النصيحة حين تصدم المألوف؟ وهل نملك الجرأة لمراجعة أنفسنا، أم نظل أسرى ما اعتدناه، وإن ثبتت محدوديته أو ضرره؟.
ولا يسعنا إلا أن نرفع أكفّ الدعاء للراحل، سائلين الله أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يجعل علمه الذي خلّفه صدقةً جاريةً له، تنفعه في ميزان حسناته. اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واجعل ما قدّمه من نصحٍ وعلمٍ نورًا له في قبره ويوم يبعث حيًّا.



