Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

تراتيلُ الروحِ والجسد: عن غائبينَ يسكنونَ النبض

بقلم : ديمة الشريف- السعودية
بين عتمةِ الحزنِ وضياءِ اليقين، تمتدُّ جسورٌ خفيةٌ لا يراها إلا من أرهقهُ الشوقُ وأضناهُ المسير. في تلك المساحةِ الرماديةِ التي نسميها “الفقد”، لا تنتهي الحكايةُ بمواراةِ الثرى، بل تبدأُ فصولٌ أخرى من حوارٍ صامتٍ بين دارِ الحقِّ ودارِ الفناء. يقولون “هل زارك راحل؟”، وفي الحقيقةِ هُم لا يغادروننا أبداً؛ إنهم يسكنون في تلك الوخزةِ التي تصيبُ القلبَ عند ذكراهم، وفي ذاك الطيفِ الذي يمرُّ بالمنامِ ليحملَ لنا وصيةً مغلفةً بالنور، أو ابتسامةً تخبرنا أنَّ “كلَّ شيءٍ سيكونُ بخير”.

الرؤيا.. حين يطرقُ الغائبُ بابَ الوعي
إنَّ رؤيةَ الميتِ في المنام ليست مجردَ تفاعلاتٍ كيميائيةٍ في العقل الباطن، بل هي في جوهرها الأدبي والروحاني “سلامٌ” عابرٌ للقاراتِ الروحية. حين يطلُّ علينا الراحلُ في المنام، فإنهُ يأتي ليلممَ شتاتَ أرواحنا التي بعثرها الاكتئاب، ويخففَ عنا ثِقلَ الأرض. فالاكتئابُ، ذاك الضيفُ الثقيل الذي يجعلُ الأيامَ متشابهةً والخطواتِ وئيدة، يحتاجُ أحياناً إلى “هزّةٍ” من عالمٍ آخر لتذكرنا بأنَّ الحياةَ أمانة، وأنَّ أجسادنا التي نُهملها هي المعبدُ الذي يحملُ ذكراهم.

الحركةُ استشفاءً.. من العجزِ إلى الانطلاق
حين نمشي على ذاك “السيرِ” الرتيب، أو نسعى في مناكبِ الأرض، نحن لا نحرقُ سعراتٍ حراريةً فحسب، بل نحرقُ طاقةً سلبيةً تكدست في أرواحنا. إنَّ قطراتِ العرقِ التي تذرفُها أجسادنا في الرياضة هي في الحقيقةِ دموعٌ محبوسةٌ كانت تأبى الخروج. الرياضةُ هي لغةُ الجسدِ ليعبرَ عن رغبتهِ في البقاء، وهي خيرُ وسيلةٍ لمحاربةِ ذاك الخمول الذي يغذي الحزن. فكلُّ خطوةٍ تخطوها، وكلُّ نبضةِ قلبٍ تتسارع، هي رسالةُ وفاءٍ لمن رحلوا، تخبرهم بأنك لا تزالُ قادراً على العطاء، وأنك تحملُ مشعلَ حياتهم في عروقك.

غذاءُ الروحِ والجسد.. بساطةُ “الكمون والزبادي”
حتى في أدقِّ تفاصيلِ عاداتنا الغذائية، ككوبِ الزبادي الممزوجِ بنكهةِ الكمون، نجدُ رمزيةً للهدوءِ والتصالحِ مع الداخل. فكما يُهدئُ هذا المزيجُ ثورةَ الجسدِ واضطرابَ الأمعاء، نحتاجُ نحنُ لسكينةِ الدعاء، وطمأنينةِ الاستغفار، وبذلِ الصدقة. هذه الأفعالُ البسيطة هي “غذاءُ الأرواحِ” الذي يصلُ إلى أولئك الذين انقطعَ عملهم إلا من ثلاث، ونحنُ (بأحيائنا وأفعالنا) نُمثلُ ذاك الامتدادَ الذي لا ينكسر.
خاتمةٌ.. عهدٌ بين عالمين
إنَّ البرَّ بالراحلين لا يقتصرُ على البكاء، بل يتجسدُ في أن نحيا حياةً تليقُ بهم، حياةً نعتني فيها بصحتنا، ونحاربُ فيها اليأسَ بالعمل، ونواجهُ الاكتئابَ بالصبرِ والحركة. فالميتُ يشعرُ بالحي، ويسعدُ حين يراهُ قوياً، معافىً، ومقبلاً على الحياةِ بقلبٍ عامرٍ بالذكر.
فيا من تشتاقُ لراحل، اجعل من مشيتك صلاةً، ومن سعيك صدقة، ومن اهتمامك بذاتك براً بهم. رحم اللهُ تلك الوجوه التي لا تغيب، وجمعنا بهم في جناتِ النعيم، حيث لا وجعَ، لا فَقْد، ولا وداع.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button