أخبارالرئيسيةثقافة و فن

“روامزي..ذاكرة مكناس بين أصالة الأمس ونبض اليوم

برنامج الذاكرة والمكان…
اعداد وتقديم: القبطان عبدالله دكدوك

في إطار حلقات برنامج الذاكرة والمكان، الذي يقدمه القبطان عبد الله دكدوك، وتُشرف عليه مؤسسة “على صفحتي علم الدولية للإبداع والمبدعين – فكر ثقافة وعلوم”، نُجدد الإبحار مع عشاق سفينة السلم والسلام، لنحط الرحال هذه المرة في عمق العاصمة الإسماعيلية، مكناس، أو كما يحلو للمؤرخين تسميتها “مكناسة الزيتون”، مدينة العلم والعمران، وملتقى الحضارات والذاكرة الحية.

بعد أن حملتنا الحلقة السابقة إلى القاهرة، حيث استحضرنا نكهة التاريخ الشعبي من خلال تجربة كشري أبو طارق، نعود اليوم إلى المغرب، لنستحضر عبق مكان لا يقل رمزية وامتدادًا في الذاكرة الجماعية: حي روامزيل.

روامزيل…اسم تتعدد حوله الروايات، وتتقاطع عنده الدلالات
حي روامزيل ليس مجرد تسمية جغرافية عابرة، بل هو عنوان لذاكرة متعددة الطبقات. اختلفت الروايات حول أصل الاسم، بين من يرده إلى تحولات لسانية أمازيغية، ومن يربطه بأسر أو تجمعات سكنية قديمة، فيما يظل الحسم في هذا الباب موكولًا لأهل الاختصاص من مؤرخين وباحثين. غير أن هذا التعدد في الروايات لا ينقص من قيمة الحي، بل يزيده ثراءً، إذ يعكس عمق الامتداد التاريخي والتنوع الثقافي الذي يحتضنه.

موقع استراتيجي…بين الأصيل والحديث
يقع حي روامزيل في موقع حيوي داخل النسيج الحضري لمدينة مكناس، حيث يشكل حلقة وصل بين المجال الشعبي الأصيل، بما يحمله من عادات وتقاليد متجذرة، وبين الامتداد الحضاري الحديث الذي يعكس تحولات المدينة وتوسعها العمراني. هذا التداخل يمنح الحي خصوصية فريدة، تجعله فضاءً حيًا لتعايش الأزمنة والأنماط الاجتماعية المختلفة.

ذاكرة عمران…تحكيها الجدران
من خلال بنياته المعمارية، يمكن قراءة تاريخ غير مكتوب. فالأزقة، والدور، وبعض المرافق القديمة، تشي بتعاقب حضارات وأنماط عيش متعددة، وكأن الحي سجل مفتوح، تنقش عليه الأجيال المتعاقبة بصماتها. هنا، لا يكون المكان مجرد فضاء للسكن، بل نصًا حضاريًا قابلاً للتأويل.

المرافق الدينية والتربوية…روح المكان ونبضه
يضم حي روامزيل مجموعة من المرافق التي تشكل عموده الفقري الاجتماعي والروحي، من مساجد تُقام فيها الصلوات وتُحيى فيها المناسبات الدينية، إلى مدارس ومؤسسات تعليمية ساهمت في تكوين أجيال متعاقبة. كما لا يخلو الحي ومحيطه من أضرحة ومعالم روحية، تعكس البعد الصوفي والروحي الذي يميز مدينة مكناس، القريبة من ضريح مولاي إسماعيل، أحد أبرز معالمها التاريخية.

فضاء تجاري نابض بالحياة
روامزيل ليس فقط حيًا سكنيًا، بل هو أيضًا مركز تجاري محلي، تتجاور فيه المحلات العصرية مع الدكاكين التقليدية، حيث تختلط أصوات الباعة بروائح المأكولات الشعبية، في مشهد يعكس استمرارية الحياة اليومية وتشبث الساكنة بعاداتها، مع انفتاحها في الآن ذاته على مظاهر الحداثة.

أجيال صنعت الفرق
من رحم هذا الحي، خرجت طاقات بشرية متعددة، بصمت في مجالات شتى: ثقافية، فنية، رياضية، وعلمية. ورغم أن التوثيق الدقيق لأسماء هذه القامات يحتاج إلى عمل أرشيفي متخصص، فإن الذاكرة الشفوية لأبناء الحي تحتفظ بصور مشرقة لأبناء روامزيل الذين شقوا طريقهم وأثروا محيطهم.

روامزيل…أكثر من حي
إن الحديث عن حي روامزيل لا يمكن اختزاله في تعريف جغرافي أو وصف عمراني، بل هو وقوف عند معلمة قائمة الذات، تختزن في تفاصيلها سردية مدينة بأكملها. هو فضاء تتقاطع فيه الذاكرة بالمكان، ويغدو فيه اليومي جزءًا من التاريخ.

وفي ختام هذه الحلقة من “الذاكرة والمكان”، نترك الباب مفتوحًا أمام الباحثين والمهتمين، لإغناء هذا الموضوع بمقاربات علمية دقيقة، توثق لذاكرة حي يستحق أن يُكتب عنه، لا كحي عابر، بل كعلامة من علامات مكناس العالمة، ومرآة تعكس روحها الأصيلة والمتجددة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button