Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

ضجيج الصمت وندوب الكلمات.. رحلة في كواليس الأرواح

بقلم : ديمة الشريف – السعودية

في معترك الحياة، نمضي بوجوهٍ مستعارة وقلوبٍ مثقلة، نتقاسم الأرصفة والوجوه، لكننا لا نتقاسم الحقيقة أبداً. ثمّة عالمان يعيشان في آنٍ واحد: عالمٌ يراه الناس، وعالمٌ يسكننا ولا يراه أحد. وبين هذين العالمين، تنبت “الكلمة القاسية” كشوكة في خاصرة الروح، وتنمو “نظرة الحسد” كغشاوةٍ تمنعُ رؤية الحقيقة التي تئن خلف الضحكات.


سياط الحروف.. حين تقتل الكلمة

يُخطئ من يظن أن السلاح وحده هو ما يريق الدماء؛ فالكلمة القاسية سهمٌ لا يكتفي بجرح الجلد، بل ينفذُ إلى مسامات الروح ليُحدث ثقباً لا يلتئم. إنها تخرج من أفواهٍ لا تدركُ أنَّ المستمع قد يكون في لحظةِ “هشاشةٍ” قصوى، يبحث عن قشةٍ ليتشبث بالحياة، فتأتي الكلمة القاسية لتقطع تلك القشة.
إن القسوة في القول ليست صراحة، بل هي عجزٌ عن الرحمة.

فالأرواح التي أتعبتها الحياة لا تحتاج إلى من “يُقيّمها” بمرارة، بل إلى من “يحتويها” بلين. الكلمة الطيبة هي الرهان الأخير للإبقاء على إنسانيتنا في عالمٍ يزداد جموداً.


الحسد: عمى البصيرة وظلم النظرة

وعلى مقربةٍ من القسوة، يقف “الحاسد” متأملاً في فتاتِ نِعمنا، غافلاً عن جبالِ همومنا. الحسد ليس رغبةً في التملك فحسب، بل هو “جهلٌ مركب”. يرمق الحاسد “اللقمة” ولا يرى غصة الحلق التي سبقتها، ويرصد “الضحكة” ولا يسمع النحيب الذي تلاها.

ما أقسى أن يُحسد المرء على “ظاهره” بينما “باطنه” ساحة حرب! إنها الصفة البشعة التي تجعل الإنسان يتمنى زوال الخير عن أخيه، دون أن يكلف نفسه عناء التساؤل: “ما الثمن الذي دفعه هذا الشخص ليصل إلى هذه اللحظة من السكينة الظاهرة؟”.


خديعة الوسائد وضجيج الأفكار

هناك، في غرف الصمت، حيث تُلقى الرؤوس على الوسائد، تبدأ الحكاية الحقيقية. الحاسد ينام وهو يفكّر فيما نملك، ونحن ننام (أو نحاول) وفي رؤوسنا ضجيجٌ لا ينتهي. هي “أفكار ما قبل النوم”، تلك المعارك الضارية التي لا يسمع صليل سيوفها أحد.

الوسادة التي يراها البعض رمزاً للراحة، هي بالنسبة للكثيرين “منصة اعتراف” مريرة، ومكان لمواجهة الخيبات والظروف القاسية التي نكتمها نهاراً لنظهر بذاك المظهر الذي يُحسد عليه. إن “صمت” الإنسان في وجه آلامه هو أعظم مأساة لا يدركها الحاسد؛ فهو يرى الهدوء ويظنه نعيماً .


الحياة “حزمة” لا تتجزأ

إنَّ الإنصاف يقتضي منا أن ندرك أن قدر الإنسان هو “حزمة” كاملة. لا يحق لأحد أن يحسد أحداً على قطفةٍ من بستان حياته وهو لا يقوى على حمل أشواك ذلك البستان. ولو كُشف للناس ما في قلوب بعضهم البعض، لرقّ الحاسد للمحسود، ولعلم صاحب الكلمة القاسية أنَّ من أمامه يحمل من الهموم ما يكفي ليهدم جبالاً، فكيف نهدمه نحن بكلمة؟


دعوة للرفق

إننا عابرون في رحلةٍ قصيرة، والأرواح متعبةٌ بما يكفي. فليكن زادنا “الرفق”؛ رفقاً بمن يبتسمون وفي قلوبهم غصّات، ورفقاً بأنفسنا من نيران الحسد التي تأكل قلوبنا قبل أن تؤذي غيرنا.

لنتذكر دائماً أن وراء كل ضحكةٍ حكاية صبر، وخلف كل نعمةٍ طريقٌ من التعب، وفوق كل وسادةٍ رأسٌ يرجو السكينة في عالمٍ لا يهدأ ضجيجه. العناوين ضعاف غليظة


مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button