Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

شراع في مهب العواصف

بقلم : ديمة الشريف – السعودية
تتقلب بنا الأيام بين فصولها الأربعة، فلا الربيع يمد ظلاله إلى الأبد، ولا الشتاء بزمهريره يملك تخليد صقيعه. في هذه الرحلة الممتدة بين الولادة والرحيل، يجد الإنسان نفسه محاطاً بكتلة من المتناقضات والظروف التي لا يستأذن في قدومها، ولا يملك دائماً مفاتيح بواباتها.

هنا، في هذه المساحة الممتدة بين ما نرغب فيه وما تفرضه الأقدار، يبرز المفهوم الأسمى للبقاء الروحي، ألا وهو “المرونة النفسية”. هي ليست مجرد آلية للدفاع، بل هي فن الرقص مع الريح حين تعجز الأقدام عن الوقوف في وجه الإعصار.

جذور الانكسار والصلابة الزائفة

لطالما ظن الإنسان أن القوة تكمن في الجمود والصمود الأعمى، كصخرة صماء تواجه أمواج البحر العاتية، ترفض الانحناء وتتحدى الارتطام. لكن التاريخ والواقع يثبتان أن الصخور تتفتت مع مرور الزمن، وأن الجمود يعقبه الانكسار الحتمي.

إن “الصلابة الزائفة” التي ندعيها أمام نوائب الدهر ليست إلا قناعاً هشاً يخفي خلفه خوفاً من الانهيار.أما المرونة، فهي أشبه بجذوع الخيزران؛ تنحني حتى تلامس الأرض حين تشتد العاصفة، لكنها لا تنكسر، وتعود لتنتصب شامخة نحو السماء فور تراجع الرياح.

إنها اعتراف واعي بالضعف الإنساني، وقبول ذكي بحقيقة أن الألم جزء من التجربة البشرية، وليس نهاية العالم.

التحكم بالذات: العاصفة في الداخل والخارج

كما أشارت الكاتبة ديمة الشريف، فإن كل إنسان يحتاج إلى المرونة النفسية حتى يستطيع التحكم بنفسه وبظروفه وبالمحيط من حوله.

إن العاصفة الخارجية لا تملك تدمير الإنسان ما لم تجد عاصفة موازية في داخله. حين يمتلك الفرد المرونة، فإنه يعيد تعريف مفهوم “التحكم”. هو يعلم يقيناً أنه لا يستطيع توجيه الرياح كيفما يشاء، ولكنه يملك تماماً مهارة توجيه أشرعة سفينته.

التحكم بالذات في زمن الأزمات يتطلب ثلاثة تجليات

هدوء المنطلق

استقبال الصدمة بوعي وهدوء داخلي، دون تهويل أو تهوين.رحابة الممر: استيعاب المشاعر السلبية (الحزن، الخوف، القلق) والسماح لها بالمرور دون كبتها أو الانغماس الكامل فيها.

حكمة المخرج

تحويل طاقة الألم إلى وقود للعمل وبناء بدائل وخيارات جديدة لم تكن مرئية من قبل.

بناء الحصن الداخلي

من أين تبدأ المرونة؟
إن المرونة النفسية ليست رداءً نشتريه عند الحاجة، بل هي حصن نبنيه لبنة لبنة في أيام السلم لنحتمي به في أيام الحرب.
يتأسس هذا الحصن على أعمدة روحية وعقلية واضحة

التصالح مع المجهول
الإيمان بأن الحياة متغيرة، وأن عدم اليقين هو الثابت الوحيد. التمسك بالماضي أو الخوف من المستقبل يعيق قدرة العقل على التعامل مع اللحظة الراهنة.

إعادة الصياغة المعرفية

رؤية المحن كدروس قاسية ولكنها صاقلة، واعتبار الفشل محطة للتصحيح وليس حكماً نهائياً بالإعدام على الطموح.

ترميم الدوائر الإنسانية

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه؛ والاتكاء على كتف صديق مخلص أو الاستماع لنصح حكيم يختصر مسافات التعافي النفسي ويقلل من وطأة العزلة.

خاتمة

العودة إلى الحياةفي نهاية المطاف، المرونة النفسية هي التي تمنحنا القدرة على الارتداد السريع نحو الحياة بعد كل سقوط. إنها النور الخافت الذي يضيء في عمق النفق، يذكرنا بأننا لسنا ضحايا دائمين للظروف، بل نحن صناع استجابتنا لها. من يمتلك المرونة، يمتلك مفتاح السكينة وسط الضجيج، ويستطيع أن يصنع من حطام انكساراته جسراً يعبر به نحو غدٍ أكثر نضجاً وإشراقاً.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button