بين التحول الرقمي والسيادة الوطنية.. المغرب يسرّع إيقاع الدولة الحديثة

في خضم التحولات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، يبدو أن المغرب اختار أن يواجه التحديات بمنطق “تسريع الدولة الحديثة”، عبر مراكمة الإصلاحات المؤسساتية، وتعزيز السيادة الاقتصادية والطاقية، والانفتاح على اقتصاد المستقبل، دون إغفال البعد الاجتماعي والدبلوماسي.
العناوين التي تصدرت الصحف الوطنية والإلكترونية هذا الأربعاء لا تبدو متفرقة أو معزولة، بل تكشف خيطاً ناظماً يرسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها: “الانتقال من تدبير الأزمات إلى بناء المناعة الوطنية”.
في ملف الطاقة، لم تعد المملكة تكتفي بخطاب الطاقات المتجددة كشعار بيئي، بل أصبحت تطرحها كخيار سيادي واستراتيجي. الأرقام التي قدمتها وزيرة الانتقال الطاقي ليلى بنعلي حول ارتفاع حصة الطاقات المتجددة إلى 46 في المائة سنة 2025، تعكس توجهاً واضحاً نحو تقليص الارتهان للأسواق الدولية وتقلباتها.
كما أن الحديث عن مخزون مريح من المحروقات، وإحداث مئات محطات الخدمة الجديدة، يؤشر على أن الأمن الطاقي أصبح جزءاً من الأمن الوطني بمفهومه الواسع.
وفي السياق ذاته، يبرز تسارع الإصلاحات المالية والمؤسساتية، سواء عبر تحديث القوانين المؤطرة للقطاع البنكي، أو من خلال إعادة هيكلة مؤسسات البحث العلمي والتعليم العالي. فالدولة المغربية تدرك اليوم أن معركة التنمية لم تعد تُحسم فقط بالمشاريع الكبرى، بل أيضاً بفعالية المؤسسات، وجودة الحكامة، وقدرتها على مواكبة التحولات الرقمية والتكنولوجية.
ومن اللافت أن هذا النفس التحديثي يمتد كذلك إلى الاقتصاد الرقمي وصناعات المستقبل، كما جسده افتتاح ولي العهد الأمير مولاي الحسن لمعرض “موروكو غيمينغ إكسبو 2026”. فالرسالة هنا تتجاوز مجرد احتضان معرض للألعاب الإلكترونية، لتؤكد أن المغرب يراهن على اقتصاد الإبداع والتكنولوجيا والذكاء الرقمي كمدخل لصناعة فرص الشغل الجديدة ودمج الشباب في الاقتصاد العالمي.
وفي مقابل هذا الزخم التنموي، تحاول الدولة الحفاظ على التوازن الاجتماعي، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالقدرة الشرائية والمناسبات الدينية. لذلك جاءت التدابير الحكومية لتنظيم سوق الأضاحي ومواجهة المضاربة، إلى جانب قرار تمكين السجناء من زيارة عائلية خلال عيد الأضحى، كإشارات على استمرار المقاربة الاجتماعية والإنسانية في تدبير الشأن العام.
دبلوماسياً أيضاً، يواصل المغرب تثبيت حضوره الإفريقي بهدوء وفعالية، من خلال توسيع شراكات التعاون جنوب-جنوب، كما ظهر في المباحثات المغربية-الملغاشية، أو عبر مواقفه داخل الاتحاد الإفريقي بشأن الاستقرار السياسي في القارة. وهي سياسة تؤكد أن الرباط لم تعد تتحرك فقط بمنطق الدفاع عن المصالح، بل بمنطق صناعة التوازنات الإقليمية.
أما على المستوى الداخلي، فإن مؤشرات السياحة، والتنمية البشرية، والتحول الرقمي، تعطي الانطباع بأن المغرب يسعى إلى بناء نموذج تنموي أكثر تنوعاً وصلابة، رغم الإكراهات الدولية المرتبطة بالتضخم والأزمات المناخية والتوترات الجيوسياسية.
خلاصة المشهد أن المغرب يعيش اليوم مرحلة إعادة تموقع شاملة: دولة تراهن على التكنولوجيا، وتحصين الاقتصاد، وتحديث المؤسسات، مع محاولة الحفاظ على التماسك الاجتماعي والانفتاح الدبلوماسي. وهي معادلة معقدة، لكن الرهان الحقيقي سيظل مرتبطاً بسرعة تنزيل هذه الأوراش على أرض الواقع، ومدى انعكاسها المباشر على حياة المواطنين اليومية.



