أخبارالرئيسيةفي الصميم

بين فضيحة “النجاة” وواقعة “الكراطة”… لماذا لا يصبح أوزين رئيسا للحكومة؟

في السياسة المغربية، لا تسقط الأزمات دائما أصحابها، ولا تنهي الأخطاء بالضرورة المسارات السياسية. أحيانا يحدث العكس تماما: تتحول الأزمة إلى لحظة إعادة تموقع، ويصبح من كان موضوعا للسخرية أو الغضب جزءا من معادلة السلطة من جديد.
ولهذا، فإن السؤال الذي قد يستبعده البعض اليوم: هل يمكن أن يصبح محمد أوزين رئيسا للحكومة؟ ليس سؤالا عبثيا كما قد يعتقد البعض، بل سؤال سياسي مشروع داخل واقع اعتاد مفارقات أكبر من الخيال نفسه.

بقلم: ذ. زهير أصدور

لقد تحولت “فضيحة النجاة” إلى واحدة من أكبر الصدمات السياسية والاجتماعية في المغرب الحديث. آلاف الشباب المغاربة باعوا أحلامهم، واستدان بعضهم، وركضوا خلف سراب التشغيل في الإمارات، قبل أن يكتشفوا أن “النجاة” لم تكن سوى عملية نصب ضخمة برعاية سياسية وإدارية مرتبكة.
وكان اسم عباس الفاسي حاضرا بقوة في قلب الملف، بحكم مسؤوليته الحكومية آنذاك كوزير للتشغيل. لكن المفارقة التي لا تزال تستحق التأمل، أن الرجل نفسه لم يقص سياسيا، ولم يعزل من الحياة العامة، بل انتهى به الأمر وزيرا أول بعد انتخابات 2007، باسم “المنهجية الديمقراطية” واحترام نتائج الاقتراع.

يومها صرخ جزء من النخبة الإعلامية والسياسية: “يا للهول!”، واعتبر كثيرون أن تعيين عباس الفاسي كان “ضريبة الديمقراطية”، وأن الدولة دفعت ثمن احترام الشكل الديمقراطي بتسليم رئاسة الحكومة لشخص تحاصره ظلال فضيحة ثقيلة.
لكن السنوات أثبتت شيئا آخر: السياسة المغربية لا تدار دائما بمنطق المحاسبة الأخلاقية الصارمة، بل بمنطق التوازنات، والقدرة على البقاء، وإعادة إنتاج الشرعية داخل النظام السياسي. فالسياسي في المغرب لا يسقط دائما بسبب أزمة أو فضيحة، بل قد يعاد تقديمه داخل سياق جديد، وبصورة جديدة، وتحالفات جديدة، وكأن الذاكرة السياسية نفسها قصيرة أو قابلة لإعادة التشكيل.

ومن هنا تحديدا، تظهر المفارقة مع محمد أوزين.
فالرجل الذي ارتبط اسمه شعبيا بواقعة “الكراطة” في ملعب مولاي عبد الله، وتحول وقتها إلى مادة للسخرية والتأويل السياسي، عاد لاحقا إلى الواجهة الحزبية والسياسية بشكل مختلف تماما. ومع الفارق الجوهري بين ملف اجتماعي ضخم أضر بآلاف الشباب، وواقعة تقنية جرى تضخيمها سياسيا وإعلاميا، فإن المقارنة هنا لا تتعلق بطبيعة الحدثين، بل بكيفية اشتغال الذاكرة السياسية وآليات صناعة الصورة داخل المجال العمومي.
بل إن المفارقة الأبرز، أن الوسيلة نفسها التي أثارت كل ذلك الجدل، جرى استعمالها لاحقا في ملاعب عالمية وفي تظاهرات كبرى تحت إشراف الاتحاد الدولي لكرة القدم، ما جعل كثيرا من القراءات التي حملت الواقعة أكثر مما تحتمل تبدو أقرب إلى التوظيف السياسي والإعلامي منها إلى التقييم الموضوعي للمسؤوليات.

لقد تحول أوزين مع مرور الوقت من وزير تمت محاصرته رمزيا بسبب واقعة عابرة، إلى فاعل سياسي يمتلك حضورا خطابيا وشعبية داخل جزء من الرأي العام، خصوصا مع أسلوبه المباشر وقدرته على استثمار اللغة السياسية الساخرة والقريبة من الناس. كما أن الرجل نجح في التحول من صورة “الوزير الذي تمت إقالته” إلى صورة السياسي الذي عاد من الأزمة أكثر حضورا داخل النقاش العمومي.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل يستحق أوزين رئاسة الحكومة؟
بل: ما الذي يمنع ذلك أصلا داخل بنية سياسية لا تجعل من الأخطاء أو الأزمات نهاية حتمية للمسارات السياسية؟
إذا كان عباس الفاسي قد وصل إلى الوزارة الأولى رغم “النجاة”، وإذا كانت الحياة السياسية المغربية أعادت مرارا تدوير أسماء ارتبطت بأزمات واحتجاجات وإخفاقات تدبيرية، فلماذا يبدو احتمال تصدر حزب الحركة الشعبية للانتخابات أو وصول أوزين إلى رئاسة الحكومة مستبعدا لدى البعض؟

في الأنظمة السياسية الطبيعية، تضعف الفضائح الثقة العامة، وقد تنهي المسارات السياسية. أما في الأنظمة التي تعاني من ضعف الوساطة الحزبية وهشاشة الثقة السياسية، فإن الذاكرة الانتخابية تصبح قصيرة، وتتحول الانتخابات أحيانا إلى لحظة مزاجية أكثر منها عملية تقييم سياسي صارم.
ثم إن السياسة اليوم لم تعد تحسم فقط بالكفاءة أو التاريخ التدبيري، بل أيضا بالقدرة على صناعة الصورة، والحضور الإعلامي، والتحكم في الخطاب، واستثمار المظلومية، والقدرة على العودة بعد الأزمات. ومن هذه الزاوية، يبدو أوزين أكثر حضورا وحيوية من كثير من الوجوه الحزبية التقليدية التي فقدت القدرة على التأثير والتواصل.

لكن المفارقة المؤلمة في كل هذا، أن الواقع السياسي المغربي لا يرتفع فعلا. لا يرتفع لأن النقاش العمومي نفسه أصبح في كثير من الأحيان أسير السخرية بدل المساءلة، والصورة بدل المشروع، والفرجة بدل السياسة.
لقد انتقلنا من فضيحة شرّدت آلاف الشباب وضربت الثقة في المؤسسات، إلى واقعة تقنية مرتبطة بأرضية ملعب تحولت إلى حدث وطني ضخم، وكأن السياسة فقدت أحيانا قدرتها على ترتيب الأولويات.

وهنا يصبح السؤال الأكثر قسوة: هل المشكلة في السياسيين فقط؟ أم أيضا في مناخ سياسي وإعلامي اعتاد تضخيم الجزئيات، ثم إعادة إنتاجها كحقيقة نهائية؟
ربما لهذا السبب بالذات، لا يبدو سؤال: “هل يصبح أوزين رئيسا للحكومة؟” سؤالا مستحيلا بالكامل.
في السياسة المغربية، لا شيء يسقط نهائيا… بل يعاد ترتيبه من جديد.

*رئيس التكتل الديمقراطي المغربي.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button