
في المشهد الحزبي، لا تُقاس المواقع فقط بالألقاب التنظيمية أو المسؤوليات التمثيلية، بل بمدى الحضور الفعلي داخل دوائر القرار، وبدرجة الالتزام اليومي الذي يمنح الانتماء الحزبي معناه الحقيقي.
وحين يتراجع هذا الحضور دون توضيحات رسمية، تتحول الأسئلة من مجرد ملاحظات داخلية إلى نقاش عام يلامس جوهر العلاقة بين الحزب وقياداته.
داخل حزب الحركة الشعبية يتنامى نقاش متصاعد حول وضعية السيد إدريس السنتيسي، في ظل تباين لافت بين موقعه كرئيس للفريق الحركي بمجلس النواب، وبين غيابه المتكرر عن اجتماعات المكتب السياسي والمجلس الوطني، وما رافق ذلك من تراجع واضح في حضوره داخل الأنشطة الحزبية خلال الفترة الممتدة بين 2025 و2026.
ويزداد هذا النقاش حدة عند التوقف عند وضعية السيد إدريس السنتيسي داخل ، حيث يستمر في ممارسة مهامه كرئيس للفريق الحركي بمجلس النواب، بما يتيحه هذا الموقع من مسؤولية تمثيلية وسياسية باسم الحزب داخل المؤسسة التشريعية، في الوقت الذي تتحدث فيه عدة قراءات إعلامية عن إمكانية مغادرته للحزب نحو تشكيل سياسي آخر.
غير أن هذا الوضع، في غياب أي توضيح مباشر أو موقف رسمي من المعني بالأمر، يظل مفتوحا على أكثر من تأويل، خاصة حين يتزامن استمرار تولي المسؤولية التمثيلية مع غياب شبه كامل عن الاجتماعات التنظيمية للمكتب السياسي والمجلس الوطني، وعن مختلف الأنشطة الحزبية خلال الفترة الممتدة بين 2025 و2026.
وفي السياق ذاته، يطرح عدد من المتتبعين سؤال الانسجام بين الموقع التمثيلي داخل المؤسسة التشريعية والانخراط التنظيمي داخل الحزب، في ظل وضعية يتواصل فيها أداء مهام رئاسة الفريق الحزبي، مقابل غياب التواصل التوضيحي بشأن طبيعة الانتماء السياسي في ظل ما راج من معطيات إعلامية عن إمكانية إعادة التموضع الحزبي.
ويستحضر هذا النقاش أيضا المعطى الانتخابي المرتبط باستحقاقات 2021، حيث لم يكن حضور إدريس السنتيسي ضمن المتصدرين من حيث الأصوات داخل دائرته الانتخابية بحيث كان في مؤخرة الفائزين(5300 صوت)، مقارنة مع مرشحين آخرين داخل نفس الجهة سجلوا نتائج انتخابية أقوى فاقت 35 ألف صوت حصل عليها عبد النبي العيدودي بدائرة سيدي قاسم، وهو ما يضيف بعدا آخر للنقاش حول طبيعة التوازن بين الشرعية الانتخابية، والموقع التنظيمي، والاستمرارية في المسؤوليات التمثيلية داخل الحزب.
غير أن ما يضفي مزيدا من الحدة على هذا الوضع هو استمرار ممارسة المسؤولية البرلمانية باسم الفريق الحزبي، في مقابل غياب أي تواصل تنظيمي منتظم داخل هياكل الحزب، وهو ما يجعل الصورة العامة أكثر التباسا، ويفتح الباب أمام قراءات متناقضة بين من يرى في الأمر وضعا تنظيميا عاديا، ومن يعتبره مؤشرا على تحولات أعمق داخل البنية الحزبية لم يتم الإعلان عنها بشكل صريح.
وفي ظل هذا الفراغ التوضيحي، تتسع مساحة التأويل السياسي، خصوصا حين يتعلق الأمر بقيادات تتبوأ مواقع متقدمة داخل المؤسسة التشريعية، وتظل في الوقت نفسه خارج الإيقاع التنظيمي الداخلي، بما يخلق مفارقة بين موقع القرار وموقع الانخراط، وبين التمثيل المؤسساتي والحضور الحزبي الفعلي.
إن الإشكال في جوهره لا يتعلق بشخص بعينه بقدر ما يتعلق بسؤال أوسع يهم طريقة تدبير المواقع داخل الأحزاب السياسية: هل يمكن الجمع بين مسؤولية تمثيلية باسم الحزب داخل البرلمان، وبين غياب ممتد عن هياكل اتخاذ القرار داخله؟ وأين تنتهي حدود الالتزام التنظيمي، وأين يبدأ منطق إعادة التموضع السياسي غير المعلن؟وفي نهاية المطاف، يظل السؤال مفتوحا داخل المشهد الحزبي برمته: هل ما تزال الأحزاب قادرة على فرض منطق الانضباط التنظيمي على قياداتها، أم أن التحولات الفردية الصامتة أصبحت جزءا من الواقع السياسي الجديد الذي يُدار أحيانا خارج البيانات الرسمية؟
ملحوظة: الصورة أعلاه تؤرخ لآخر اجتماع حضره ادريس السنتيسي كان بمدينة إيفران شهر دجنبر 2024 بمناسبة انعقاد المجلس الوطني.



