حميد شباط والحسابات الانتخابية.. رهانات تتقاطع مع دينامية الحركة الشعبية في تشكيل المشهد السياسي بفاس

الحدث الإفريقي – الرباط
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية والجماعية لسنة 2026، بدأت ملامح إعادة ترتيب المشهد السياسي بمدينة فاس تتضح تدريجيا، في ظل حركية تنظيمية وحزبية متسارعة تشهدها الساحة المحلية والوطنية. ومن بين أبرز التطورات التي تستأثر باهتمام المتتبعين، عودة حميد شباط إلى واجهة النقاش السياسي، وصعود اسم ريم شباط داخل حزب الحركة الشعبية، إلى جانب الحضور المتنامي لزهير أصدور، رئيس التكتل الديمقراطي المغربي وعضو المكتب السياسي للحركة الشعبية.
ولا تبدو هذه التحركات مجرد وقائع منفصلة أو أحداث معزولة عن بعضها البعض، بل تندرج ضمن دينامية سياسية أوسع تعكس محاولة إعادة بناء توازنات جديدة داخل مدينة ظلت لعقود إحدى أهم القلاع الانتخابية بالمغرب وأكثرها تأثيرا في رسم ملامح الخريطة الحزبية الوطنية.

لطالما شكلت فاس مختبرا سياسيا حقيقيا للتحولات الانتخابية بالمغرب. فالمدينة التي تجمع بين الثقل التاريخي والرمزية الوطنية والكثافة السكانية، كانت دائما مجالا للتنافس الحاد بين مختلف الأحزاب السياسية، كما شكلت نتائجها الانتخابية مؤشرا دالا على اتجاهات المزاج السياسي الوطني.
وفي هذا السياق، تكتسب أي عودة لفاعل سياسي بحجم حميد شباط دلالات تتجاوز البعد الشخصي. فالرجل الذي قاد مدينة فاس لسنوات طويلة وشغل منصب الأمين العام لحزب الاستقلال، راكم تجربة سياسية ونقابية واسعة، ونجح في بناء شبكة ممتدة من العلاقات داخل الأحياء الشعبية والأوساط المهنية والنقابية والجمعوية.
ورغم سنوات الابتعاد النسبي عن الواجهة السياسية، ظل اسم شباط حاضرا بقوة داخل الذاكرة الانتخابية للفاسيين، خصوصا في المناطق التي شكلت تاريخيا خزانه الانتخابي التقليدي، مثل زواغة والمرينيين وبن دباب وعدد من الأحياء الشعبية الأخرى.
غير أن قراءة المشهد الحالي لا يمكن أن تختزل في عودة حميد شباط فقط، لأن أحد أهم التحولات التي عرفتها المرحلة الممتدة من سنة 2022 إلى اليوم تمثلت في تأسيس التكتل الديمقراطي المغربي بقيادة زهير أصدور.

فمنذ الإعلان عن تأسيس هذا الإطار السياسي، سعى التكتل إلى استقطاب عدد من الكفاءات والمنتخبين والفاعلين المدنيين والسياسيين الذين كانوا يبحثون عن فضاء جديد للمشاركة السياسية وإعادة بناء الثقة في العمل الحزبي.
وقد لعب زهير أصدور، بصفته رئيسا للتكتل الديمقراطي المغربي، دورا محوريا في بناء هذا المشروع وتأطير مختلف مبادراته التنظيمية والسياسية، قبل أن يقود مسار الانخراط الجماعي داخل حزب الحركة الشعبية في خطوة اعتبرها العديد من المتابعين تحولا استراتيجيا مهما في مسار التكتل.
ولم يتوقف حضور أصدور عند حدود الاندماج التنظيمي، بل تعزز لاحقا بانضمامه إلى المكتب السياسي للحركة الشعبية، وهو ما يعكس المكانة التي أصبح يحتلها داخل هياكل الحزب، كما يؤشر على رغبة القيادة الحركية في الاستفادة من الكفاءات والأطر التي التحقت بالحزب خلال السنوات الأخيرة.
في المقابل، يبرز اسم ريم شباط باعتبارها أحد أبرز الوجوه السياسية الصاعدة داخل المشهد الحزبي الوطني.
فبعد حضورها البرلماني اللافت خلال الولاية التشريعية الحالية، اختارت ريم شباط خوض مرحلة سياسية جديدة من بوابة الحركة الشعبية، حيث يجري تداول اسمها بقوة كمرشحة للحزب بدائرة فاس الشمالية.
ويمثل هذا الترشيح رهانا سياسيا مزدوجا بالنسبة للحركة الشعبية. فمن جهة، يراهن الحزب على استقطاب جيل جديد من الناخبين عبر وجوه شابة تمتلك حضورا إعلاميا وسياسيا متناميا. ومن جهة ثانية، يسعى إلى الاستفادة من الامتداد الانتخابي والتاريخ السياسي الذي راكمته عائلة شباط داخل المدينة.
إذا كان حميد شباط يمثل رصيد الخبرة الانتخابية والتجربة السياسية الطويلة، وإذا كانت ريم شباط تمثل عنوان التجديد واستقطاب الناخبين الجدد، فإن زهير أصدور يمثل بعدا ثالثا لا يقل أهمية، يتعلق بالبناء التنظيمي وإعادة هيكلة القواعد الحزبية واستقطاب النخب والكفاءات.
ومن هنا تبدو المعادلة الجديدة التي تتشكل داخل الحركة الشعبية بفاس قائمة على ثلاثة عناصر متكاملة:
أولا، الإرث الانتخابي والشعبي الذي يمثله حميد شباط.
ثانيا، الحضور المؤسساتي والسياسي الذي تمثله ريم شباط.
ثالثا، العمل التنظيمي والتأطيري الذي يجسده زهير أصدور من خلال تجربته في قيادة التكتل الديمقراطي المغربي وحضوره داخل المكتب السياسي للحركة الشعبية.
المعطيات الحالية تسمح باستشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول يتمثل في نجاح الحركة الشعبية في توحيد مختلف مكوناتها الجديدة وتحويل هذا الزخم التنظيمي والسياسي إلى قوة انتخابية فعلية، بما يسمح لها بتحقيق اختراق مهم داخل دائرة فاس الشمالية وعدد من الجماعات الترابية التابعة للإقليم.
أما السيناريو الثاني فيقوم على تحقيق تقدم انتخابي ملموس دون الوصول إلى موقع الصدارة، مع فرض الحركة الشعبية كفاعل رئيسي في تشكيل التحالفات والتوازنات المحلية المقبلة.
في حين يبقى السيناريو الثالث مرتبطا بقدرة الأحزاب المنافسة على احتواء هذا الصعود وإعادة تعبئة قواعدها الانتخابية التقليدية، خاصة في ظل التغيرات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها المدينة خلال السنوات الأخيرة.
بعيدا عن الحسابات الانتخابية المباشرة، يبدو أن ما يجري اليوم داخل الحركة الشعبية بفاس يتجاوز مجرد الاستعداد لانتخابات مقبلة، ليعكس محاولة لإعادة بناء مشروع سياسي محلي يجمع بين الخبرة التاريخية والتجديد السياسي والكفاءة التنظيمية.
وفي هذا الإطار، يصعب الحديث عن عودة حميد شباط بمعزل عن صعود ريم شباط أو عن الدور الذي أصبح يضطلع به زهير أصدور داخل الحركة الشعبية. فهذه العناصر الثلاثة تشكل اليوم أحد أبرز ملامح التحول الذي تعرفه الساحة السياسية الفاسية.
وقد تكشف الأشهر المقبلة ما إذا كانت هذه الدينامية ستنجح في إعادة رسم جزء من الخريطة الانتخابية بالعاصمة العلمية، أم أن التوازنات التقليدية ستظل قادرة على الحفاظ على مواقعها. غير أن المؤكد هو أن فاس دخلت بالفعل مرحلة سياسية جديدة، وأن الحركة الشعبية أصبحت رقما يصعب تجاهله في معادلة 2026



