
ليست حالة معزولة تلك التي تعرفها بعض الدواوير بالمغرب القروي، بل تكاد تكون ظاهرة متكررة بمختلف جهات المملكة، حيث تنشأ جمعيات محلية بمبادرات من أبناء المنطقة، حاملة وآمالا كبيرة في التنمية والتغيير، قبل أن تجد نفسها أمام تعقيدات الواقع الاجتماعي واختلاف التمثلات حول معنى العمل الجمعوي ووظيفته. مما جعل بعضها يفقد ديناميته أو يتوقف عن أداء الأدوار التي أسس من أجلها. ومع كل محاولة جديدة لإحياء العمل الجمعوي أو إطلاق مشاريع تنموية جديدة، يعود النقاش حول أسباب التعثر، بين من يربطها بالأشخاص ومن يربطها ببنية المجتمع المحلي وشروط اشتغال العمل الجمعوي في المجال القروي.

هذه الحكاية ليست استثناء، بل تكاد تتكرر بأشكال مختلفة في عدد من القرى والدواوير. وهي تكشف عن إشكال أعمق من مجرد نجاح جمعية أو فشلها؛ إنه إشكال يرتبط بطبيعة العلاقة بين النخبة المحلية والساكنة، وبالطريقة التي يتم بها تصور التنمية والعمل الجمعوي داخل المجال القروي.
ففي كثير من الأحيان، ينطلق الفاعل المتعلم من تمثل حديث للجمعية باعتبارها فضاء للتأطير والتكوين والمشاركة المواطنة وتنمية القدرات، بينما ينظر إليها جزء مهم من الساكنة باعتبارها وسيلة لحل المشكلات اليومية المرتبطة بالماء والطرق والدعم الاجتماعي وجلب المحسنين. وبين التصورين تتشكل فجوة صامتة لا تظهر في البداية، لكنها سرعان ما تطفو على السطح عندما تبدأ الأسئلة العملية حول ما الذي تحققه الجمعية فعلا في حياة الناس.
ولا يتعلق الأمر هنا بوجود طرف واع وآخر غير واع، كما قد يتبادر إلى الذهن، بل باختلاف في ترتيب الأولويات. فالأسر التي تنشغل بتأمين شروط العيش الأساسية تميل بطبيعة الحال إلى تقييم المبادرات من خلال أثرها المباشر على الواقع المادي، في حين تميل النخب المتعلمة إلى التفكير في الأبعاد الثقافية والتربوية والتنموية بعيدة المدى.
لقد أدرك الفيلسوف اليوناني أرسطوطاليس منذ قرون أن الإنسان لا يعيش منفردا، وأن حاجاته تدفعه إلى الاجتماع والتعاون مع الآخرين. كما بين المفكر العربي عبد الرحمن ابن خلدون أن العمران البشري لا يقوم إلا على نوع من التضامن الجماعي الذي سماه العصبية، وهي ليست مجرد رابطة عائلية أو قبلية، بل قوة اجتماعية تجعل الأفراد يلتفون حول مصلحة مشتركة. وإذا تأملنا واقع القرى بالجنوب الشرقي المغربي نجد أن هذه الروح ما تزال حاضرة في صور متعددة من التعاون والتكافل، لكنها لا تنتقل تلقائيا إلى العمل الجمعوي الحديث لمجرد توقيع قانون أساسي أو انتخاب مكتب مسير.
فالانتقال من التضامن التقليدي إلى التنظيم المدني يحتاج إلى زمن وإلى تدرج وإلى بناء الثقة. وهنا تقع بعض المبادرات في خطأ غير مقصود حين تحاول استنساخ نماذج حضرية داخل بيئات تختلف عنها في البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. إذ لا يمكن مطالبة مجتمع ما يزال منشغلا بالحاجات الأساسية بأن يتبنى فورا أجندات ثقافية أو تنموية معقدة دون المرور عبر المراحل التي تسمح له باستيعابها وإدراك جدواها.
ومن هنا نفهم لماذا تتعثر أحيانا مشاريع تبدو من الناحية النظرية ممتازة. فالمشكل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في توقيتها أو في طريقة تنزيلها أو في عدم انطلاقها من أولويات المجتمع المحلي. فالتنمية ليست عملية إسقاط لمفاهيم جاهزة، بل هي عملية تفاوض مستمر بين ما هو ممكن وما هو مأمول.
ولعل من أكثر ما يغيب عن بعض المبادرات التنموية أهمية الفاعل المحلي نفسه. فالمجتمع القروي لا تحكمه النصوص التنظيمية وحدها، بل تؤثر فيه أيضا شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والرمزية التي تشكلت عبر عقود طويلة، حيث ما تزال القبيلة، بمعناها الاجتماعي والثقافي، تمارس أشكالا من التأثير في توجيه المواقف وبناء التوافقات وصناعة الثقة. ولذلك فإن ابن الدوار، حتى وإن لم يحصل على الشهادات التي حصل عليها غيره، يمتلك معرفة دقيقة بتاريخ المنطقة وتوازناتها وعلاقاتها الداخلية، ويفهم لغة الناس وتمثلاتهم وانتظاراتهم، كما يحظى أحيانا برصيد من القبول الاجتماعي والشرعية الرمزية لا يمكن اكتسابه بسرعة من خارج المجال المحلي.
إن تجاهل هذه المعطيات أو التعامل معها بمنطق الاستعلاء المعرفي قد يؤدي إلى تعثر العديد من المبادرات مهما كانت جودة أفكارها. فالتنمية ليست مجرد نقل للخبرات والتقنيات، بل هي أيضا فن بناء الثقة والتفاوض مع البنيات الاجتماعية القائمة. ولذلك فإن النجاح لا يتحقق حين تحاول النخبة أن تحل محل المجتمع، بل حين تنجح في العمل معه ومن داخله، مستثمرةً ما يختزنه من خبرات محلية ورأسمال اجتماعي ورمزي متراكم.
كما أن بناء الإنسان يظل الشرط الأساسي لأي تنمية مستدامة. فالتجربة المغربية نفسها أظهرت عبر تاريخها الطويل أن المسيد والكتاتيب القرآنية لم تكن مجرد فضاءات لتلقين القرآن وتدارس السيرة النبوية، بل كانت مؤسسات للتنشئة الاجتماعية وبناء القيم والانضباط والمسؤولية. ولذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن يؤكد الملك الراحل الحسن الثاني في أكثر من مناسبة على أهمية تسجيل الأطفال في المسيد إلى جانب تعليمهم النظامي. فالرأسمال الأخلاقي والقيمي يمثل أحد أهم مقومات النجاح الفردي والجماعي على حد سواء.
إن العمل الجمعوي القروي لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى الفهم العميق للسياق الاجتماعي والثقافي الذي يشتغل داخله. فهو يحتاج إلى الإنصات قبل التخطيط، وإلى بناء الثقة قبل إطلاق المشاريع، وإلى التدرج في التغيير. كما يحتاج إلى استثمار حقيقي في الإنسان باعتباره الثروة الأولى لأي مجتمع، من خلال التربية والتكوين وترسيخ القيم ودعم التمدرس وتأهيل الناشئة والشباب وتمكين المرأة وتعزيز روح المبادرة والتعاون.
فالتنمية القروية ليست مجرد بناء طريق أو تشييد مرفق أو إنجاز مشروع مادي، بل هي قبل ذلك بناء للإنسان القادر على حماية هذه المكتسبات وتطويرها واستثمارها. لذلك فإن نجاح المشاريع المادية يظل رهينا بوجود مجتمع متماسك يمتلك الوعي والمسؤولية والشعور بالانتماء والمشاركة.
وحين تلتقي حاجات الساكنة مع رؤية النخبة المحلية، ويتحول الفاعل المحلي (القبيلة) من متلقي إلى شريك في التفكير والقرار والتنفيذ، وحين يبنى العمران على التعاون والتكافل والقيم المشتركة، تصبح الجمعية أكثر من مجرد إطار قانوني أو هيكل تنظيمي؛ تصبح مدرسة للمواطنة والتضامن، وفضاء لصناعة الثقة الجماعية، وتعبيرا حيا عن قدرة المجتمع على تنظيم نفسه وصناعة مستقبله.
ولعل الرهان الحقيقي اليوم ليس في إنشاء مزيد من الجمعيات، بل في بناء وعي جمعوي جديد ينطلق من الإنسان باعتباره مشروع التنمية الأول، ومن المجتمع باعتباره الحاضنة الطبيعية لكل تغيير مستدام. فقبل أن نبني المؤسسات والمرافق، علينا أن نبني الإنسان القادر على إحيائها، وأن نبني المجتمع القادر على حمايتها. تلك هي القاعدة التي قامت عليها الحضارات قديما، وهي نفسها القاعدة التي يمكن أن تجعل من العمل الجمعوي بالمغرب القروي رافعة حقيقية للعمران والتنمية.
[1] الدكتور عبد الحق لوشاحي، باحث في علوم التربية، وفاعل مدني مهتم بقضايا التنمية المحلية والعمل الجمعوي والتحولات الاجتماعية بالمجال القروي.



