
✍️ذ. زهير أصدور
في الرياضة، لا يحتاج الأمر إلى نص قانوني أو قرار إداري حتى يعرف اللاعب أن وقته قد حان للمغادرة. فهناك لحظة يدرك فيها الرياضي أن الزمن لم يعد يعمل لصالحه، وأن ما كان ينجزه بالأمس أصبح يتطلب منه جهدا مضاعفا اليوم. عندها يختار الكبار الرحيل حفاظا على صورتهم وعلى تاريخهم، وفسحا للمجال أمام جيل جديد يحمل المشعل.
لا أحد يطالب لاعب كرة قدم في السبعين من عمره بالنزول إلى الملعب، ولا ينتظر من ملاكم تجاوز عقده الثامن أن يصعد إلى الحلبة لمواجهة خصوم في مقتبل العمر.
ليس لأن هؤلاء فقدوا قيمتهم أو خبرتهم، بل لأن لكل مجال شروطه ومتطلباته، ولكل مرحلة رجالها ونساؤها.لكن المفارقة أن ما يبدو بديهيا في الرياضة يصبح محل جدل في السياسة والإدارة والشأن العام.
صحيح أن العمر السياسي أطول من العمر الرياضي، وأن السياسة تحتاج إلى التجربة والخبرة والتراكم. غير أن هذا لا يعني أن المجال السياسي معفى من قوانين الزمن أو من ضرورة التجديد.
فكما أن الرياضة تحتاج إلى دماء جديدة، تحتاج المؤسسات السياسية بدورها إلى نخب جديدة وأفكار جديدة وأساليب جديدة في التدبير والتواصل والقيادة.
ما يثير الانتباه أن بعض الفاعلين السياسيين يواصلون تقديم أنفسهم كبدائل للمستقبل رغم أنهم قضوا عقودا طويلة في مواقع المسؤولية أو التمثيلية. بعضهم تجاوز السبعين أو الثمانين من العمر، وما زال يعتبر نفسه المرشح الطبيعي والوحيد للقيادة أو للتمثيل أو لتدبير الشأن العام. وكأن الأجيال التي جاءت بعده لم تنضج بعد، أو كأن الوطن أصبح عاجزا عن إنجاب كفاءات جديدة.
الأمر لا يتعلق بالسن البيولوجي وحده، بل بما يمكن تسميته “الشيخوخة السياسية”. فقد يكون الشخص متقدما في العمر لكنه يحتفظ بحيوية فكرية وقدرة على العطاء، وقد يكون أصغر سنا لكنه يحمل عقليات تجاوزها الزمن.
غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول المنصب إلى غاية في حد ذاته، وعندما يصبح التشبث بالموقع أقوى من الإيمان بمبدأ التداول والتجديد.
في الديمقراطيات الحية، لا يقاس نجاح القائد فقط بما حققه أثناء وجوده في المنصب، بل أيضا بقدرته على إعداد الخلف وفتح المجال أمام جيل جديد من القيادات.
أما حين تبقى الأحزاب والمؤسسات رهينة للأسماء نفسها لعقود طويلة، فإنها تفقد تدريجيا قدرتها على التجدد وعلى فهم التحولات التي يعرفها المجتمع.والأخطر من ذلك أن استمرار الوجوه نفسها في المشهد العام يبعث برسالة سلبية إلى الشباب مفادها أن المجال السياسي مغلق، وأن فرص الصعود محدودة، وأن التداول مجرد شعار لا يجد طريقه إلى الممارسة الفعلية.
إن المشكلة ليست في أن يترشح شخص متقدم في العمر أو أن يستمر مسؤول في أداء مهامه ما دام قادرا على العطاء. المشكلة تكمن في غياب ثقافة المغادرة الطوعية، وفي الاعتقاد بأن الخبرة لا توجد إلا لدى جيل معين، وأن القيادة حق مكتسب لا وظيفة مؤقتة.
فكما أن الرياضي الكبير يعرف متى يترجل حفاظا على تاريخه، فإن السياسي الكبير يزداد تقديرا عندما يعرف متى يفسح المجال لغيره.
فالقيمة الحقيقية للقادة لا تقاس بعدد السنوات التي قضوها في المناصب، بل بقدرتهم على بناء مؤسسات تستمر بعد رحيلهم.إن المجتمعات التي تتجدد نخبها باستمرار هي المجتمعات القادرة على التقدم.
أما المجتمعات التي تعجز عن إنتاج التداول داخل أحزابها ومؤسساتها، فإنها تظل تدور في الحلقة نفسها، مهما رفعت من شعارات الإصلاح والتحديث.
ولعل السؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم ليس: من يحق له الترشح؟ بل: متى يتحول التشبث بالموقع من حق مشروع إلى عائق أمام تجديد النخب وإفساح المجال أمام المستقبل؟



