باريس-أحمد الميداوي
حينما تتحول جمعية ثقافية محلية من فضاء للفكر والنقاش الحرّ، إلى صالون للمجاملات وتبادل الصور، فإنها تفقد روحها قبل أن تفقد جمهورها. وحينما تختزل أنشطتها الثقافية في ترويج كتب لا علاقة لها بالثقافة، كأن تُنظم، كما فعلت مؤخرا جمعية “كاليمار”، أمام اندهاش نخبة من المثقفين المكناسيين، حفل توقيع كتاب “الكفير للجميع” لصاحبته أمينة بناني، فإن ذلك ينذر بإفلاسٍ حتمي لكيان اتخذ من الثقافة منصة لترضية الصديقات والأصدقاء، وإنتاج الضجيج، حيث الثقافة مسؤولية… ومن فرّط فيها باسم العلاقات، فقد استبدل الرسالة بالبهرجة.
ليس العيب في الكفير ولا في مكانته كمشروب غني بالفوائد الصحية، ولكن كون الموضوع بعيد عن هموم المثقفين، حيث لكل مجال أناسه وأهله العارفين به. فالعيب في غياب الاتساق بين الاسم والفعل، حيث المؤسسة التي لا تحترم تخصصها، ولا تصون هويتها، تتحول إلى عنوانٍ بلا مضمون.
فحين يتحوّل نظام غذائي بما له من سياق قد لا يجادل أحد في أهميته، إلى مادة تُدرج ضمن برنامج ثقافي إبداعي، فذلك ارتباك في الإبداع نفسه، وتطاول على الاختصاصات، تماما كما لو قامت جمعية زراعية، ضمن أنشطتها الشهرية، بتنظيم حفل توقيع كتاب في “الأدب المقارن” La littérature comparée.
الثقافة ليست مظلةً لملء الفراغ، ولا عنوانا يُستعار لتلميع أنشطة لا تمتّ إليها بصلة. هي إبداع ووضوح في الرؤية، واحترام لتخصصات الآخرين. وحين تُختزل الأدوار، ويُستبدل المشروع الثقافي الجاد، بموضوعات لا تمتّ إلى صميم الاختصاص بصلة، فإننا نكون أمام عملية تتفيه ثقافي مجاني، لا غير. وإذا كان اسم الجمعية يحمل مكوّنين واضحين: “كلمة + فن” Kalima+Art (كاليمار)، فإن ذلك ليس مجرد عنوانٍ زخرفي، بل تعهّد معنوي ورسالة مُلزِمة.
ف”الكلمة” تعني الفكر، الأدب، الحوار، النقد، إنتاج المعنى. و”الفن” يعني الإبداع، الجمال، صناعة الذوق… فكيف يتم تهميش هذا الأفق لصالح كتاب يتناول كيفية إعداد مشروب الكفير، أو مشروب المانجو أو غيره من المشروبات؟ إن احترام الاسم هو أول درجات احترام الذات.
ومن اختار أن يحمل راية الكلمة والفن، فعليه أن يصونها بالفعل لا بالشعار، وأن يظل وفيّا لرسالته الثقافية، لأن الجمهور لا يُخدع طويلا بالمسميات إذا غاب المعنى.والمثير للدهشة والاستغراب في كل هذا، هو استغاثة جمعية “كاليمار” لصاحبتها هدى الفشتالية، بأربع هيئات محلية أخرى، بعيدة كل البعد عن الشأن الثقافي، لمساعدتها على تنظيم حفل توقيع الكتاب، بما يعني خمس جمعيات شمرت دفعة واحدة على الساعد، لإعطاء حفل توقيع كتاب “الكفير للجميع”، ما يستحقه من تبجيل وعناية.
ولنسأل كل من له صلة بتنظيم التظاهرات الكونية في مجالات الثقافة والسياسة والاقتصاد والرياضة وغيرها، ليدُلّنا على تظاهرة واحدة في المعمور، اجتمعت في تنظيمها خمس جمعيات مختلفة الاختصاصات والمشارب. جمعية ألأسود، وجمعية الصيادلة، وجمعية الزراعة والبيطرة ومعها جمعية “كاليمار”، واسمها يعني بالإيطالية القديمة، صغير القردة.
فما بالنا بتظاهرة محدودة الأبعاد والامتدادات، حول تقديم كتاب عن مشروب اسمه “الكفير”. المشهد هنا لا يثير الاستغراب فحسب، بل يطرح سؤالا عميقا حول معنى الاستهتار بذكاء الجمهور.
ليست كثرة الجمعيات هي معيار القيمة يا “كاليمار”، ولا تعدد الشعارات دليل الجدية في تاريخ التظاهرات الكبرى، حتى الدولية منها، بل نوعية الفكرة، وجدية الطرح، واحترام الجمهور. أما حين تتحول مناسبة بسيطة إلى استعراض لوجستي، فإننا نكون أمام تضخيم للفراغ لا أكثر.والعمل الثقافي الحقيقي يُقاس بعمق الأسئلة التي يطرحها، وبنوعية النقاش الذي يخلقه.
والجمعية التي تُراكم المجاملات بدل المشاريع، وتُنتج الضجيج بدل الأثر، تتحوّل تدريجيا إلى إطار شكلي، بلا إشعاع ولا مصداقية.ولابد في النهاية من تذكير أشباه الجمعيات القافية، يأن الثقافة ليست سباقا في وضع الشعارات على الملصقات، بل هي موقف فكري ومسؤولية أخلاقية تجاه وعي الناس. وحين يستهان بذكاء الجمهور، فإن ذلك الجمهور، عاجلا أم آجلا، سيكتشف الفارق بين حدث يُصنع للكاميرا، وحدث يُصنع للفكر. والقيمة تبنى بالعمق لا بالاستعراض.



