وزارة العدل المغربية تطلق دورة تدريبية حول ولوج النساء إلى العدالة بشراكة أوروبية

مراسل الحدث الإفريقي: يونس الأزمي
احتضنت العاصمة الرباط، يوم الثلاثاء 23 يونيو الجاري، لقاءً وطنياً هاماً نظمته وزارة العدل، بشراكة مع مجلس أوروبا والاتحاد الأوروبي، تم خلاله الإعلان عن إطلاق دورة تكوينية متخصصة حول “ولوج النساء إلى العدالة”، في خطوة تعكس التزام المغرب بتعزيز منظومة حقوقية منصفة وفعالة، تراعي الخصوصيات الاجتماعية والقانونية للمرأة المغربية.
وشهد اللقاء، الذي جرى بمقر الوزارة، حضوراً نوعياً ضم مسؤولين وأطراً من الوزارة، إلى جانب خبراء وفاعلين مؤسساتيين وحقوقيين وطنيين ودوليين، في مشهد يعكس الإرادة المشتركة لتجويد الخدمات القضائية وترسيخ مقاربة النوع الاجتماعي داخل مؤسسات العدالة. وتأتي هذه المبادرة في سياق الإصلاحات العميقة التي انخرطت فيها المملكة، استجابةً للالتزامات الدولية التي صادقت عليها، وفي مقدمتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، وما تضمنه دستور 2011 من مبادئ راسخة للمساواة والمناصفة.
افتُتحت أشغال اللقاء بكلمات توجيهية، أكد فيها ممثل وزارة العدل ورئيسة مكتب مجلس أوروبا بالمغرب على الأهمية البالغة لتطوير آليات الولوج المنصف والفعال إلى العدالة لفائدة النساء، مشددين على أن هذا الملف ليس مجرد إجراء تقني، بل هو جوهر العدالة الاجتماعية ومدخل أساسي لبناء مجتمع متساوٍ. وتطرقت الكلمات إلى ضرورة تعزيز قدرات الفاعلين في منظومة العدالة، من قضاة وموظفين ومحامين، على إدماج المقاربة الحقوقية والنوعية في ممارساتهم المهنية اليومية، بما يضمن تعاطياً حساساً مع قضايا النساء، خاصة في ملفات العنف الأسري والحضانة والنفقة والعنف المؤسسي.
وشكل اللقاء منصة لاستعراض رصيد الممارسات الوطنية، حيث قدمت السيدة أمينة الديك، رئيسة مرصد العدالة المستجيبة للنوع الاجتماعي بوزارة العدل، عرضاً شاملاً تحت عنوان “ولوج النساء إلى العدالة في المغرب: المكتسبات والتحديات والآفاق”، استعرضت من خلاله المنجزات التي تحققت، كإحداث محاكم الأسرة، وتفعيل النيابة العامة المتخصصة، وإصدار قوانين حماية النساء من العنف، وتجويد آليات الاستماع للأطفال والنساء ضحايا العنف. كما توقفت عند التحديات البنيوية التي لا تزال قائمة، كالعقبات السوسيو-قضائية التي تعترض ولوج النساء الفعلي إلى العدالة، والخلل في التوزيع الترابي للمؤسسات القضائية، والحاجة الماسة إلى مزيد من التكوين المتخصص لفائدة جميع المتدخلين في السلك القضائي.
ولم يغفل اللقاء البعد الدولي، حيث تضمن برنامجه عرضاً حول المعايير الدولية المتعلقة بولوج النساء إلى العدالة، وفق مقاربة مجلس أوروبا التي تعتبر نموذجاً في التكامل بين الحقوق المدنية والاجتماعية. وتبع ذلك حلقة نقاش تفاعلية مكثفة مع المشاركات والمشاركين، تمحورت حول سبل تطوير الممارسات القضائية، وتعزيز الحماية القانونية للنساء، وإزالة العوائق الإدارية والمجتمعية التي تحول دون وصول المرأة إلى حقوقها القضائية.
وفي إطار مواكبة التحول الرقمي، خُصص جزء من اللقاء لتقديم منصة HELP (التعليم القانوني في مجال حقوق الإنسان) التابعة لمجلس أوروبا، والتي تمثل أداة تكوينية مبتكرة مفتوحة المصدر، تتيح للمهنيين الاستفادة من وحدات تعليمية متطورة حول حقوق الإنسان والقانون الدولي. كما تم تقديم مضامين الدورة التكوينية الخاصة بولوج النساء إلى العدالة، إلى جانب دورة أخرى موازية حول حق مرتفقي المحاكم في الولوج إلى خدمات العدالة، في خطوة تعزز التكوين المستمر وتفتح آفاقاً جديدة للتعلم عن بعد، بما يواكب متطلبات العدالة القريبة من المواطن.
وتندرج هذه المبادرة في سياق التعاون المؤسساتي الراسخ بين وزارة العدل ومجلس أوروبا والاتحاد الأوروبي، الذي يروم الإسهام في بناء منظومة عدالة أكثر حماية وولوجاً وفعالية، وتعزيز قدرات المهنيين والمهنيات العاملين بقطاع العدالة، وفق المعايير الدولية وأفضل الممارسات. ويبقى الرهان الأكبر هو تحويل هذه المبادرات إلى واقع ملموس في حياة النساء المغربيات، وجعل العدالة في متناولهن، ليس كحق نظري، بل كخدمة عمومية جيدة وفورية ومؤثرة.



