سيارات الأجرة بين الرباط وسلا وتمارة تقترب من إصلاح غير مسبوق

لم يعد الانتقال بين الرباط وسلا وتمارة يشبه السفر بين ثلاث مدن مستقلة،بل أصبح تنقلا داخل مجال حضري واحد تتداخل فيه الأحياء والإدارات والجامعات والمستشفيات والمراكز الاقتصادية.ومع ذلك ما تزال سيارات الأجرة الصغيرة مقيدة بحدود إدارية وضعت قبل عقود،الأمر الذي يفرض على آلاف المواطنين تغيير سيارة الأجرة بمجرد عبور جسر أو شارع يفصل مدينة عن أخرى.
هذا الواقع قد يكون على موعد مع التغيير بعدما كشفت معطيات متطابقة أن وزارة الداخلية تدرس تصورا جديدا يسمح لسيارات الأجرة من الصنف الصغير بالاشتغال داخل المجال الحضري المشترك بين الرباط وسلا وتمارة،في خطوة قد تشكل أكبر إصلاح يشهده القطاع منذ سنوات.
ولا يتعلق الأمر بمجرد توسيع مجال اشتغال سيارات الأجرة،بل بإعادة التفكير في فلسفة تنظيم النقل الفردي داخل المدن المغربية الكبرى بعدما أصبح التقسيم الإداري في كثير من الحالات لا ينسجم مع الواقع العمراني والديموغرافي.
واقع تجاوزته المدينة… ولم يتجاوزه القانون
خلال العقدين الأخيرين،شهدت جهة الرباط-سلا-القنيطرة توسعا عمرانيا متسارعا حيث أصبحت الرباط وسلا وتمارة امتدادا عمرانيا متواصلا، يتنقل داخله مئات الآلاف من المواطنين يوميا للعمل والدراسة والعلاج وقضاء المصالح الإدارية.
ورغم هذا التحول بقيت سيارات الأجرة الصغيرة خاضعة لنظام ترابي صارم يمنعها من نقل الركاب خارج النفوذ المحدد في رخصة الاستغلال وهو ما يخلق يوميا مواقف يصفها المواطنون بغير المفهومة،إذ قد يرفض السائق إتمام الرحلة رغم أن الوجهة لا تبعد سوى مئات الأمتار لأنها تقع داخل النفوذ الترابي لمدينة أخرى.
ويؤكد مختصون في النقل الحضري أن هذا النظام كان مبررا عندما كانت المدن منفصلة جغرافيا،لكنه أصبح اليوم يطرح إشكالات حقيقية بعد تشكل أقطاب حضرية مترابطة.
لماذا تدرس الداخلية هذا الإصلاح الآن؟
يرى متابعون أن هذا الورش لا يرتبط فقط براحة المواطنين،بل يأتي استجابة لتحولات أعمق يشهدها قطاع النقل.
فمن جهة تزايد الضغط على وسائل النقل الحضري نتيجة النمو الديموغرافي واتساع المدن ومن جهة ثانية فرضت تطبيقات النقل الذكي واقعا جديدا كشف محدودية النموذج التقليدي لسيارات الأجرة بعدما أصبح المواطن يبحث عن خدمة أسرع وأكثر مرونة ووضوحا في التسعيرة.
كما أن استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات دولية كبرى في مقدمتها كأس العالم 2030، يدفع السلطات إلى إعادة تقييم منظومة النقل الحضري خاصة بالعاصمة التي ستكون إحدى أهم بوابات استقبال الوفود والسياح.
ماذا سيستفيد المواطن؟
إذا خرج المشروع إلى حيز التنفيذ فإن المستفيد الأول سيكون المواطن. فبدل النزول من سيارة أجرة عند حدود مدينة سلا والبحث عن سيارة أخرى نحو الرباط أو تمارة،سيتمكن الراكب من إتمام رحلته بسيارة واحدة،بما يوفر الوقت ويخفض كلفة التنقل ويقلل الازدحام في نقاط العبور بين المدن.
كما يتوقع أن ينعكس هذا الإصلاح إيجابا على الطلبة والموظفين والمرضى الذين يتنقلون يوميا بين المدن الثلاث،فضلا عن السياح الذين يجدون صعوبة في فهم هذا النظام المحلي.
لكن… هل يكفي توسيع مجال الاشتغال؟
يرى عدد من المهنيين أن نجاح المشروع لن يتحقق بمجرد السماح بالتنقل بين المدن. فالقطاع يعاني منذ سنوات من اختلالات بنيوية،من بينها رفض بعض السائقين تشغيل العداد أو رفض نقل الركاب أو فرض أسعار غير قانونية أو الانتقائية في اختيار الوجهات، وهي ممارسات تسيء إلى صورة القطاع أكثر مما تسيء إلى المواطن فقط.
يرى خبراء أن أي إصلاح حقيقي ينبغي أن يتضمن ميثاقا جديدا لجودة الخدمة،يعتمد على الرقمنة وتفعيل آليات الشكايات وتشديد المراقبة مع ربط المسؤولية بالمحاسبة.
تحديات قانونية وتنظيمية
ويطرح المشروع كذلك أسئلة قانونية وتنظيمية مهمة من بينها كيفية تدبير رخص الاستغلال وآليات مراقبة سيارات الأجرة داخل المجال الحضري المشترك، طريقة توزيع الأسطول بين المدن الثلاث، الجهة التي ستتولى مراقبة احترام التعرفة القانونية.
كما يثير المشروع نقاشا حول إمكانية اعتماد هوية بصرية موحدة لسيارات الأجرة العاملة داخل هذا المجال، بما يتيح للمواطن التعرف بسهولة على السيارات المخول لها العمل بين الرباط وسلا وتمارة.
هل تمتد التجربة إلى مدن أخرى؟
ويرى مختصون أن نجاح التجربة بالعاصمة قد يفتح الباب أمام إصلاح وطني أوسع يشمل تجمعات حضرية أخرى،مثل الدار البيضاء -المحمدية- فاس- مكناس- طنجة – تطوان حيث أصبحت الحدود الإدارية أقل حضورا من الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
ويؤكد هؤلاء أن مستقبل النقل الحضري بالمغرب يتجه نحو مفهوم “المجالات الحضرية المتكاملة” وهو ما يستدعي تحديث القوانين المنظمة لسيارات الأجرة حتى تواكب التحولات التي تعرفها المدن المغربية.
بين الإصلاح والانتظار
رغم أن المشروع لا يزال في مرحلة الدراسة ولم يصدر بشأنه أي قرار رسمي،فإن مجرد فتح هذا الورش يعكس اقتناع السلطات بأن النموذج الحالي لم يعد قادرا على مواكبة التحولات التي تعرفها المدن المغربية.
ويبقى الرهان الحقيقي ليس فقط في توسيع مجال اشتغال سيارات الأجرة الصغيرة،بل في إرساء منظومة نقل حضري حديثة تجعل مصلحة المواطن وجودة الخدمة في صلب الإصلاح وتؤهل القطاع لمواكبة التحولات التي يعرفها المغرب وهو يستعد لاستحقاقات دولية كبرى تتطلب خدمات نقل بمستوى المعايير العالمية.



